لم أكن أكتب لأُسلّي أحدا، ولم أكن أبتسم لأُخفي حزني. كنت أكتب لأبقى حيّا، لأُثبت لنفسي أنني لم أختفِ تماما، وأن قلبي لم يتحوّل إلى حجر. فالكاتب، حين يقف في العلن، يبدو وكأنه مشرق، لكنه في الداخل … جحيمٌ من الكلمات والذكريات والأوجاع التي لا يطيقها أحدٌ سواه، كما قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “من ينظر طويلا إلى الهاوية، تنظر الهاوية إليه أيضا”. لقد نظرتُ إليها طويلا … فابتلعتني نظراتها، لكنني لم أستسلم بعد.
كان هناك شيءٌ قاتل ينهشني بهدوء، لحظةً بلحظة. لا يُرى، لا يُسمع، لكنه موجود. ينسف ما تبقّى من داخلي، ويدفعني إلى الحافة؛ تلك الحافة التي تعلّم أن كل سقوطٍ فيها ليس سقوط الجسد، بل سقوط المعنى. وهناك، حيث قال الكاتب الفرنسي ألبير كامو: “الانتحار هو السؤال الفلسفي الوحيد الجاد”، فهمتُ أن البقاء هو المقاومة، وأن المقاومة هي الكتابة.
لم أختفِ، ولم أستسلم، لأن بيني وبين الهاوية كان هناك شيءٌ آخر: الإيمان بالله، ذلك الدرع الذي لا يهتز. كل غدر، وكل خيانة من الأصدقاء، وكل صدمة من الحياة، كانت تعلّمني درسا واحدا: لا أحد يعيش من أجل أحد، الجميع ينقذ نفسه، وبعضهم يرفع شعارا وحشيا: أنا ومن بعدي الطوفان.
ثم اخترتُ الوحدة. لم يكن اختيارا رومانسيا، بل استراتيجية نجاة. فالضجيج لا يكتب، والحشود تفرض الأقنعة. وكما قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “من لا يحب الوحدة لا يحب الحرية”. كنت أحتاج إلى حرية، إلى صمت يسمح للكلمات بالولادة، إلى غرفة ضيّقة تسمح للقلب بالنمو.
أغلقتُ الباب، وجلستُ في الغرفة. هناك، في الظلام والضيق، تكدّست الأصوات، وازدحمت الصفحات. كل نصّ عظيم يولد في مكان خانق، وفي قلبٍ يتّسع لكل شيء. العزلة ليست فراغا، بل امتلاء لا يُحتمل؛ تتعلّم فيه أن تُصادق ظلّك، وأن تواجه نفسك بلا مرايا، وأن تدرك أن الكاتب وحيدٌ ليكون صادقا، وأنه إن خان شهادته سقط كل شيء، كما قال الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: “كل شقاء الإنسان يبدأ من عجزه عن الجلوس وحيدا في غرفة”.
ومع مطلع سنة 2026، رفعتُ راية وجودي: “أكون أو لا أكون”. لم يكن شعارا، بل حكما. قررتُ أن أعيد رسم خريطة أيامي، لا بحثا عن خلاص، بل بحثا عن معنى يستحق أن يُدافَع عنه حتى النهاية. بدأتُ أُهيّئ مشاريعي الأدبية كما يُهيّئ المحارب سلاحه: بهدوء، بصرامة، بلا ضجيج. بعض النصوص سيعرف النور هذا العام، وبعضها سينتظر؛ لأن الكتابة لقاءٌ مؤجّل مع العالم. وكما قال الكاتب التشيكي ميلان كونديرا: “الكاتب الحقيقي لا يلهث خلف القارئ، بل يجعله يتوقّف”.
كنتُ أكتب وأنا أعلم أن الكلمات هي الوحيدة التي تسمعني حقًّا، وأن الحشود تصنع الأقنعة، وأن في العزلة تنكشف الحقيقة الوحيدة: أنك وحدك، وحيد، صادق، وشجاع بما يكفي لتقف أمام نفسك. الكاتب شاهدٌ وحيد على ذاته، وإذا خانها خان كل شيء. لذلك لم أعد أطلب من الحياة أكثر مما تستطيع، ولا من البشر أكثر مما يملكون. اكتفيتُ بالله، وبالكلمة، وبالطريق الصعب.
وحين يشتدّ الليل، وتعود الأصوات القديمة لتطرق رأسي، أُردّدها كقسم للبقاء: حسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
وهكذا، حين تكتب العزلة سيرة الإنسان، تكتبها بالنار لا بالحبر. حيث يولد الكاتب من رحم الألم، في صمت صاخب، وعلى وعدٍ صلب بالمضيّ … مهما كان الثمن. كما قال الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي: “أشدّ لحظات الإنسان وحدةً هي تلك التي يكتشف فيها نفسه”. ففي العزلة يولد كل شيء: الكلمات، والألم، والخيانة، والحب، والحقيقة … ويغدو كل شيء أكثر صدقًا من أي حشد، وأكثر عمقًا من أي ابتسامة، وأبعد من أي وهم.










