كتب عادل البكل
في قلب المدينة العتيقة بفاس، وبين أزقتها التاريخية التي تختزن عبق القرون، ينتصب مسجد القرويين كأحد أعظم المعالم الدينية والعلمية في المغرب والعالم الإسلامي. فهذا الصرح العريق لم يكن يومًا مجرد مسجد لأداء الصلوات، بل شكّل على مدى أكثر من اثني عشر قرنًا مركزًا حضاريًا وجامعة علمية عالمية، استقطبت العلماء وطلبة المعرفة من مختلف الآفاق.
تأسيس القرويين… رؤية امرأة صنعت التاريخ
تعود نشأة مسجد القرويين إلى سنة 859 ميلادية، حينما قامت السيدة فاطمة الفهرية، بدافع من إيمان عميق ورؤية حضارية ثاقبة، بالتبرع بمالها لبناء هذا المعلم الخالد. وكان هدفها إنشاء فضاء يجمع بين العبادة والعلم في مدينة فاس الآخذة آنذاك في التوسع والازدهار. ومنذ بداياته الأولى، تحوّل المسجد إلى مركز لتدريس العلوم الشرعية، قبل أن تتسع حلقاته لتشمل علومًا عقلية وطبيعية، ما أهّله ليُصنّف كأقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم.
القرويين… قلب فاس الديني والعلمي
يقع مسجد القرويين في قلب فاس العتيقة، محاطًا بمعالم تاريخية وأسواق عريقة، ويتميز بطراز معماري يجسّد تطور العمارة المغربية الإسلامية عبر العصور. وقد شهد المسجد توسعات متلاحقة، خاصة خلال عهدي المرابطين والمرينيين، ما مكّنه من استيعاب أعداد كبيرة من المصلين وطلبة العلم. كما احتضنت أروقته وساحاته فضاءات للدرس والخطابة ومكتبات علمية، جعلت منه منارة معرفية متواصلة الإشعاع عبر القرون.
جامعة القرويين… إشعاع علمي عالمي
لم يقتصر دور القرويين على الجانب الديني، بل برزت كجامعة متكاملة ساهمت في تدريس طيف واسع من العلوم، من بينها العلوم الشرعية والفقهية، واللغة العربية وعلوم البلاغة، إلى جانب الرياضيات والفلك والطب. وقد تخرج منها عدد كبير من العلماء البارزين في العالم الإسلامي، كما لعبت دور حلقة وصل فكرية بين المغرب والأندلس والمشرق، ما منحها مكانة رائدة في تاريخ التعليم خلال العصور الوسطى.
عمارة وزخرفة… تحفة فنية خالدة
يمتزج في مسجد القرويين البعد الروحي بجماليات الفن المعماري، حيث تتجلى روعة العمارة الفاسية والمرينية في الزخارف الجصية الدقيقة، والأبواب الخشبية المنحوتة، والأسقف المزخرفة بعناية فائقة. وتمنح هذه العناصر للمسجد قيمة فنية استثنائية تجعله نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية المغربية.
صون الإرث… مسؤولية الحاضر والمستقبل
ورغم مكانته التاريخية والرمزية، يواجه مسجد القرويين تحديات معاصرة، أبرزها ضغط العمران والحاجة المستمرة إلى الترميم والصيانة الدقيقة. غير أن الجهود التي تبذلها الدولة المغربية ومؤسسات الحفاظ على التراث تهدف إلى صون هذا المعلم، وضمان استمراره كمركز ديني وعلمي نابض بالحياة.
رمز حضاري خالد
إن مسجد وجامعة القرويين ليسا مجرد فضاء للعبادة أو مؤسسة تعليمية، بل رمزًا شامخًا للحضارة المغربية والإسلامية، يجمع بين الإيمان والعلم، وبين الماضي والحاضر. وسيظل هذا الصرح العريق شاهدًا حيًا على قوة الإرث الثقافي الإسلامي، ومصدر فخر لكل مغربي، ووجهة لكل من يبحث عن التاريخ والروح والمعرفة في آن واحد.










