في لحظة نادرة من التوافق الثقافي، ارتفعت أصوات المثقفين والفلاسفة والأكاديميين وأصحاب الضمير المعرفي لتكريم الدكتور مراد وهبة بعد رحيله، لا مجاملة ولا عاطفة، بل اعترافًا موضوعيًا بقيمة مشروع فكري أفنى صاحبه عمره في الدفاع عن العقل وعن حق الإنسان في التفكير الحر. وفي مواجهة هذا الإجماع الواعي، خرجت أصوات متعصبة، لا تملك من الفكر إلا إنكاره، ولا من الدين إلا احتكاره، لتصدر أحكامًا غيبية فجّة تصل إلى حد تحريم دخوله الجنة. وهنا لا نكون أمام خلاف فكري، بل أمام فضيحة فلسفية وأخلاقية مكتملة الأركان.
إن هذه الأصوات لا تخالف مراد وهبة بقدر ما تكشف عجزها أمامه. فالفكر لا يُواجَه إلا بالفكر، والحجة لا تُهزَم إلا بحجة أقوى، لكن حين يغيب العقل، لا يبقى سوى التكفير، بوصفه السلاح الأخير لمن أفلس معرفيًا. التكفير هنا ليس موقفًا دينيًا، بل إعلان هزيمة عقلية.
لقد أدرك مراد وهبة مبكرًا وبوضوح أن أخطر ما يهدد الدين ليس الفلسفة، بل الجهل المقدّس؛ ذلك الجهل الذي يرفض السؤال، ويخشى النقد، ويحوّل الإيمان من تجربة روحية وأخلاقية إلى منظومة مغلقة من المحظورات. ومن هنا جاء دفاعه المستميت عن الفلسفة، لا كترف نخبوي، بل كشرط ضروري لسلامة الوعي الجمعي.
مراد وهبة لم يكن مفكرًا معزولًا في برج عاجي، بل كان فاعلًا في معركة الثقافة: أستاذًا للفلسفة بجامعة عين شمس، رئيسًا لقسمها، ومؤسسًا للجمعية الدولية لابن رشد والتنوير، التي أعادت إحياء العقل الرشدي بوصفه نقيضًا مباشرًا للفكر الأصولي. وهو الذي خاض معركة شرسة لمنع إلغاء تدريس الفلسفة، لأنه كان يعلم – علم الفلاسفة لا ظن الوعّاظ – أن تغييب العقل هو الخطوة الأولى لإنتاج التطرف.
أما الذين يمنحون أنفسهم اليوم سلطة الحكم على مصائر الناس في الآخرة، فهم لا يناقضون الفلسفة فقط، بل يناقضون جوهر العقيدة نفسها. فالإيمان الذي يحتاج إلى قمع العقل كي يصمد، هو إيمان هش. والدين الذي يخشى السؤال، هو دين فقد ثقته بذاته. وأخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يسيء إلى المفكرين، بل يسيء إلى الدين حين يقدّمه كعدو للعقل لا حليفًا له.
ومن زاوية فلسفية خالصة، فإن ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم توزيع صكوك النجاة والهلاك، هو تعبير عن نزعة استبدادية لا تختلف في جوهرها عن أي طغيان سياسي؛ فكما يحتكر المستبد السلطة، يحتكر المتعصب الحقيقة، وكلاهما يخشى الوعي لأن الوعي يهدد سلطته.
إن التاريخ الفكري للبشرية يعلمنا درسًا لا يخطئ: كل حضارة ازدهرت حين احترمت العقل، وكل حضارة انهارت حين حاصرته باسم المقدس. ومراد وهبة كان يقف بوضوح في صف الحضارة، لا لأنه “ضد الدين”، بل لأنه ضد تحويل الدين إلى أداة قمع فكري.
إن المعركة التي فجّرها الهجوم على مراد وهبة ليست معركة حول شخصٍ رحل، بل حول عقلٍ يُراد له أن يرحل معه. فالتكفير هنا ليس موقفًا دينيًا، بل أداة إقصاء ومحاولة يائسة لإسكات السؤال حين تعجز الإجابة. إنهم لا يخشون مراد وهبة بقدر ما يخشون الفلسفة نفسها، لأن الفلسفة تفضح زيف الوصاية وتعرّي من يحتكر الحقيقة باسم السماء. والتاريخ لا يخطئ في أحكامه: كل من حارب العقل سقط، ولو احتمى بالمقدس، وكل من دافع عن التفكير انتصر، ولو حورب بالتكفير. أما مراد وهبة، فقد اختار موقعه بوضوح: في صف العقل ضد الظلام، وفي صف الإيمان الحر ضد الإيمان القسري. وسيبقى سؤاله معلقًا في وجه المتعصبين، لا يملكون له جوابًا: كيف تزعمون الدفاع عن دينٍ تخافون عليه من التفكير؟











