لا تشغل البال بماضي الزمن، ولا بآتِ العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذّاته، فليس في طبع الزمان أمان.
نمضي في العمر ونحن نظن أن الأيام مستقيمة، وأن الرفقة ثابتة، وأن من شاركنا الطفولة سيشاركنا المشيب. لكن الزمن لا يفي، والأيام لا توقّع عهودًا، والقدر لا يشرح قراراته. يمرّ بنا العمر كضيفٍ عابر، يترك على الطاولة بقايا ضحك، وبعض دموع، ورسائل لم تُكتب.
يبدأ شريط الذكريات من قاع الريف…
من الطفولة الأولى، حيث كانت الوجوه قليلة لكنها كاملة، والأيام بطيئة بما يكفي لنحفظ تفاصيلها. هناك تعلّمنا الأسماء قبل أن نفهم معنى الفقد، وتشاركنا الخبز والظلّ واللعب، دون أن نعرف أن بعض من كانوا معنا يومًا سيختفون إلى الأبد، لا لأنهم أساؤوا، بل لأن العمر لا يحتفظ بأحد.
ثم جاءت الجامعة، بوجوهٍ أكثر، وأحلامٍ أكبر، وصداقاتٍ نظنّها صلبة. كنا نلتقي تحت أسقف القاعات، وفي المقاهي الرخيصة، نناقش المستقبل بثقة مَن لا يعرف أن الغربة قادمة، وأن الأقدار تُعِدّ حقائبها بصمت. بعض تلك الوجوه تلاشى هناك، وبعضها رافقنا خطوة أخرى… إلى المنفى.
غدر الأيام ليس في قسوتها وحدها، بل في طريقتها الناعمة في الأخذ. لا تصرخ وهي تفصلنا، لا تُنذر، لا تطرق الباب. فقط تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن شخصًا كان حياتك، صار سيرةً من الماضي، وأن الضحكة التي كنت تحفظ نبرتها، لم تعد تجد لها صدى.
العمر الضائع ليس سنواتٍ مرّت، بل لحظاتٍ لم نعرف قيمتها حين كانت بين أيدينا. هو حديثٌ مؤجَّل، زيارةٌ لم تتم، وعتابٌ صمتنا عنه ظنًا أن الوقت طويل. ثم يجيء القدر، غالبًا لا يُهزم، ليقول كلمته الأخيرة: انتهى الفصل.
أتذكّر هذه المعاني كلما حلّت أعياد الميلاد في أوروبا.
الشموع المضيئة، الطاولات الصغيرة، الضحكات المتعددة اللغات، ووجوه جاءت من جهات الأرض كلها. كنا نظن أن الغربة تجمعنا إلى الأبد، وأن اختلاف الجنسيات يذوب أمام دفء اللحظة. نسأل بعضنا: أين سنكون العام القادم؟ ونضحك… دون أن نعرف أن القدر كان يكتب الإجابة بصمت.
في نيقوسيا كانت الذاكرة مشطورة مثل المدينة نفسها؛
نصفها دفء، ونصفها قلق. جلسات ليلية طويلة، وأحاديث عن الهوية، وشعور غامض بأنك في مكانٍ مؤقت، حتى وأنت تحبه.
في ليماسول كان البحر صديقنا الوحيد؛
نراقبه ونتعلّم منه أن الرحيل طبيعة الأشياء. ضحكات مختلطة بلغاتٍ ولهجات، وأصدقاء ظنناهم دائمين، ثم غابوا كما تغيب الأمواج.
ومن لارناكا بدأت رحلة أخرى،
رحلة بحرية عبر المتوسط، على متن سفينةٍ بطيئة تشبه العمر حين يتأمل نفسه. كان البحر مفتوحًا على الاحتمالات، والذاكرة محمّلة بوجوهٍ لا تعرف إن كانت ستراها ثانية. مررنا بحيفا، مدينة تلوّح من بعيد بأسئلة أكثر من الإجابات، ثم أكملنا إلى بورسعيد، حيث يضيق البحر فجأة وتستعيد الأرض اسمها. كانت رحلة بين ضفّتين، لا في الجغرافيا فقط، بل في الروح؛ بين ما كنّاه، وما صرنا إليه، وبين وداعٍ لم نعرف أنه وداع.
لارناكا مدينة الهدوء الثقيل؛
كل شيء فيها يبدو كأنه يهمس. هناك تعلّمنا أن الصمت ليس فراغًا، بل امتلاءٌ لا يُحتمل أحيانًا.
فينيسيا كانت خدعة جميلة؛
مدينة توهمك أن الجمال كافٍ، ثم تكتشف أن الجمال نفسه لا يمنع الفراق. جسور، وصور، ووجوه لم نعد نعرف أين ذهبت.
في جنيف كان الوقت صارمًا؛
كل شيء محسوب، حتى العلاقات. صداقات قصيرة العمر، عميقة الأثر، تركت فينا احترام المسافة، وألم البرودة الإنسانية.
وارسو أعادتنا إلى معنى الصبر؛
مدينة تعرف الألم وتخفيه جيدًا. هناك التقينا أناسًا يشبهوننا في الصمت، وافترقنا دون ضجيج.
برلين كانت امتحان الروح؛
حرية واسعة، ووحدة أوسع. وجوه جاءت من كل العالم، ثم تفرّقنا كأننا لم نلتقِ يومًا، إلا في الذاكرة.
هامبورج وبحر الشمال؛
ريحٌ لا تهدأ، وقلوب تتعلّم كيف تقف في العاصفة. هناك فقدنا آخر وهمٍ عن الاستقرار.
علي حدود السويد والدنمارك المتخامة لألمانيا كانت الأضواء جميلة…
لكن البرد كان داخليًا. مدن نظيفة، وحياة مرتّبة، وحنين فوضوي لا يجد مكانه.
جبال الألب منحتنا درس العلوّ؛
كلما صعدت أكثر، رأيت البشر أصغر، والماضي أوضح، والحنين أثقل.
وعلى تخوم حدود روسيا البيضاء وأوكرانيا،
كان القلق سياسيًا، والقلوب إنسانية. صداقات وُلدت تحت ظل الخوف، ثم بعثرتها الرياح.
براغ كانت حكاية؛ كانت مثل استراحة محارب من حلف وارسو الي المانيا ،براغ
مدينة تصلح لأن تُحَبّ سريعًا، وتُفقد أسرع. ضحكٌ ليلي، وأغانٍ، ثم وداع بلا وعد.
زيورخ مدينة الانضباط العاطفي؛
كل شيء في مكانه، إلا القلب. هناك فهمنا أن الرفاه لا يساوي الطمأنينة.
أما ميلانو…
فكانت خاتمة فصل. مدينة سريعة، أنيقة، لا تنتظر أحدًا. فيها أدركنا أن بعض الذكريات لا تعود، وأن بعض الوجوه لن نراها مرة أخرى مهما تقاطعت الطرق.
أين هم الآن؟
منهم من رحل، ومنهم من غاب، ومنهم من افترقنا عنه دون خصام، فقط لأن الله قدّر لكل روح دربًا لا يلتقي بغيره. عرب، وأوروبيون، وأفارقة، ومن أمريكا الجنوبية ،، وأرواح لا تنتمي إلا لتلك اللحظات العابرة. لم يبقَ منهم سوى صورٍ في الذاكرة، وأماكن إذا مررت بها شعرت أن شيئًا منك سبقك إليها ولم يعد.
دنيا لا جدوى من البكاء عليها، ولا فائدة من الصراع داخلها. فلماذا نُرهق البال بالمضي، والوقت لا ينتظر أحدًا؟ ومع ذلك يظل طيف الذكرى عنيدًا.
الأماكن تناديك فجأة، والوجوه تخرج من بين الصمت، وتلامسك في تلك اللحظة الهشّة؛ صمت ما بعد الصمت، حين لا يكون للحزن صوت، ولا للحنين دموع، فقط ثِقلٌ في القلب يذكّرك أن ما كان لن يعود، وأن ما مضى… قد مضى حقًا.
يا حكم القدر…
كم كنت صارمًا وأنت تعلّمنا أن الدنيا تعطي لتأخذ، وتجمع لتفرّق، وتضحك معنا لتبكينا. لا حيلة لنا أمامك، ولا احتجاج. كل ما نملكه هو الحنين، وهذا الشجن الثقيل الذي نسميه ذكرى.
نمضي…
لا لأننا أقوياء، بل لأن السير هو الخيار الوحيد.
وفي القلب، دائمًا، مقعدٌ فارغ…
جلس عليه من أحببنا، ثم أخذهم القدر ومضى…،،!! محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!










