في الماضي كانت متعة عم حمزه أن يصحو مبكرا قبل الذهاب الي عمله بنحو ساعتي زمن ويرتدي كامل ملابسه ثم يهبط سريعا من بيته في حارة السلطان مبتسما متفائلا عنده همه عظيمه وكأنه ابتلع علبه كامله من الاوميجا ٣، يعبر حارة السلطان ويتخطي شارع الشريعي حتي يصل الي حرم الشارع الرئيسي حيث نصبة الثقافه المتمثله في فرشة عم عطيه التي تعج بالجرائد والمجلات ، فيتلقف منها الثلاث صحف ، الاهرام والاخبار والجمهوريه ثم يقف هنيهه يختبر حال معدته ويسألها هل هي مازالت علي مايرام ، فتجيب المعده :
مازلت بخير مادُمت مواظبا علي النوم مبكرا وأكل الطعميه الساخنه في الصباح، بعد التحاور والسؤال ..، يهرول عم حمزه في اتجاه نصبه اخري لشراء الطعميه الساخنه” طعميه عم رشاد ” وما أن يراه عم رشاد حتي يأمر مساعده بتجهيز قرطاس كبير من الطعميه لعم حمزه حتي لايتأخر عن مائدة افطار اهله، يتلقف عم حمزه القرطاس بيمينه بسعاده بالغه ولولا وجود الجرائد الثلاث التي يحملها بيسراه لكان إلتقط احدي اقراص الطعميه الساخنه وتلذذ بلوكها في طريق العوده الي حارة السلطان .
ظل عم حمزه مواظبا علي هذه العاده التي كانت تملأ رئتيه بالهواء النقي ومعدته بالاكل الشهي وقدميه بالقوه والعافيه حتي اقنعه أحد أبناؤه بإقتناء الموبايل ، حتي يريح رجليه من الذهاب الي الشارع الرئيسي والعوده كل يوم ولديه في هذه الاله السحريه كل اخبار الصحف والمجلات يأتي بها بضغطه من يده ، حينها سأله اباه :
طب هذا بالنسبه للصحف الثلاث ، واني لي بالطعميه الساخنه التي من صنع عمك رشاد ، هل سيقدمها لي الموبايل ،؟؟
رد الابن:
طعمية ايه يابابا ، موجوده جاهزه في السوبر ماركت ، انا بنفسي سوف احضرها لك..
اقتنع عم حمزه بكلام ولده واقتني موبايل ليعرف أخبار الدنيا وبالمره يراقب ارهاصات الكلام عن الحيواة الاخري، حيث انه قارئ ومثقف شَره للقراءه .
بعد عامين من اقتناء عم حمزه للموبايل ، اصيب بترهل في عضلات رجليه بعدما منعه ابنه من الذهاب الي الشارع الرئيسي الذي كان يجبره علي رياضة المشي يوميا ، كما انه اصيب بنوع غريب من الدوار والزغلله في عينيه ، في البدايه حسب ذالك عيب احل بنظرهُ ، ذهب علي اثره لطبيب عيون الذي نصحه بإجراء المزيد من من الفحوصات واللجوء الي طبيب المخ والاعصاب فموضوع الدوار والزغلله لايبدوا مريحا لطبيب العيون .
عاد عم حمزه الي بيته ونظر في المرآه التي لم ينظر نحوها منذ عامين نتيجة تقضية وقته الكامل امام شاشه سحريه سهلة التناول ، وحين دقق النظر وجد ان وجهه يحمل العديد من التجعيدات ورأسه بدا يتسرب اليها الشيب دون ان يدري ، بعد الذي رأه ..حَدَث المرآه التي كانت شاهده علي تدهو صحته وزحفه نحو العجز ، حدثها وسألها كما كان يسأل معدته في قدرتها علي تحمل المزيد من اقراص الطعميه ، في هذه المره أجابته المرآ ه بما لايبتغي سماعه لما صارحته:
نعم لقد كبرت في عامين مسيرة عشرون عاما والسبب هي الشاشه السحريه التي ادمنت النظر نحوها ثم نهرته:
ماذا ذادكم من تلكم الشاشه سوي مزيدا من الحياه السوفسطائيه والافتراضه التي يحظي بها نظرك ويفوز دون سائر الاعضاء التي ترهلت ، منذ عامين وانت عبد لهذه الشاشه السحريه ، تنتهي من صلاتك بسرعة البرق كي تتلقف خبرا لايعنيك ، او رؤية أطعمه أسعارها بعيده عن امكانياتك، فتقعد بين ابنائك متحسرا ملوما مدحورا، بصراحه جاء هذا الموبيل ليجعلك تسرع الخطي نحو القبر دون التمتع بمباهج الحياه والسعي لاكتشاف الطبيعه كما خلقها الله تستطيع لمس مكوناتها بيدك في الحقيقه وليس تناولها عن طريق الصور المتحركه ، اصحي يابني ادم بقي وفوق قبل فوات الاوان انزعج عم حمزه من صراحة المرآه ، وانتابه خوف وهلع ، وظن انها تبالغ في التحذير ، حينها قرر الا يعود اليها مره أخري للنظر فيها حتي لايري نفسه “الحطام” مره اخري وقد كانت قائمه في نفس المرآه منذ عامان اما اليوم حين زارها تغير الوجه فصعب عليه معرفة تقاسيمه علاوه علي رؤيه نفسه مهزوم الروح والوجدان تبدو علي وجهه علامات الارهاق دون القيام بمجهودات تذكر طوال عامين سوي انتقاله من كرسي عمله بالتأمينات ، الي اريكة بيته في حارة السلطان يحمل نفس الشاشه التي سوف تقوض حياته وحياة اهالي حارة السلطان وتحيلها الي تناحر بين الاحباب وصدام بين الاقارب واختلاف ومشاحنات بين الابناء علاوه علي اكوام من تبلد الاحساس والمشاعر من الصعب ازالتها ،حتي يعود الاحساس والشعور الي عم حمزه ، وكذا اهالي حارة السلطان ولكن هيهات هيهات خاصه وان القديم يعاد في تكرار نواميس الكون ولكن يكابر الانسان في العوده الي الرشد خوفا من رميه بالمتخلف اوالرجعي بينما تشرق الشمس من جديد ويعاود القمر اكتماله في منتصف كل شهر حيث انه لم يُصبه الكْبرْ حين عاد كالعرجون القديم .










