تُعدّ «عشتروت» عملًا مسرحيًا معاصرًا يتقاطع مع الأساطير القديمة لترصد في نصها وروحها قضايا إنسانية وعالمية، مستفيدة من إرث الآلهة الفينيقية/الكنعانية التي تحملها عشتروت كرمز للأنوثة، الولادة، القوة والتحوّل. في رؤيته، يفكّك المخرج عماد الوسلاتي هذه الأسطورة ليعيد إنتاجها في فضاء المسرح الحديث، كأنها مرآة زمنية تعكس صراعات الإنسان المعاصر مع ذاته والمجتمع.
يتقاطع هذا العمل مع اتجاهات المسرح الحديث التي تسعى إلى تحويل الأساطير إلى سرديات معاصرة قادرة على طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية، السلطة، الجسد والمعنى، بدلًا من أن تبقى مجرد مقولة تاريخية جامدة.
السياق الفني والمخرج
يُنظر إلى عماد الوسلاتي في المشهد المسرحي التونسي كمنخرط في تجربة الاستكشاف المسرحي، مستفيدًا من التراث والأساطير كمواد خام لإعادة بناء تجارب فنية غير تقليدية. وقد سبق له العمل على عروض مختزلة في النص والديكور، معتمدًا على حسية الجسد والحركة كجزء من بنية خطاب العرض المسرحي.
تأتي «عشتروت» في هذا السياق كـ عمل مشروع يستثمر الأسطورة ليس كموضوع سهل أو زخرفي، بل كـ بنيوية درامية قابلة للتفكيك والتأويل في ضوء القضايا الراهنة.
الأسطورة والنسق الدلالي
أسطورة عشتروت/آستارت في الذاكرة الثقافية ترتبط بـ:
الأنوثة والخصوبة
الحب والموت
دورة الحياة والتحوّل
في المسرحية، يُفترض أن هذه الدلالات تتحوّل إلى متوالية رمزية تتفاعل مع بنية النص المسرحي، بحيث لا تكون عشتروت مجرد شخصية بل حالة شعورية وصراعًا وجدانيًا. هذا النوع من القراءة يستحضر ما كتبه يورجن هابرماس عن الأساطير بوصفها «أطرًا رمزية تعيد تشكيل تجارب الإنسان في الحاضر» وليس مجرد سرد تاريخي.
الكتابة المسرحية والبناء الدرامي
إذا كان النص مستلهمًا من الأسطورة، فإن بنية الحوار والحركة تتداخل في مستويات عدة:
الفضاء الزمني
المسرح لا يعمل بزمن خطي فقط، بل يلعب بالإيقاع بين الماضي والأسطورة والحاضر، مما يخلق وقتًا دراميًا مرنًا.
الشخصيات كرموز
عشتروت نفسها كــ قوة متحولة
شخصيات أخرى تمثل سلطة المجتمع/الهيمنة/الغريزة البشرية
الصراع الأساسي
بين الرغبة والتحرر من جهة، والقيود الاجتماعية/الطبيعة البشرية من جهة أخرى.
يمكن قراءة المسرحية وفقًا لنظرية ريانز دريبار عن المسرح كفضاء تحوّلي يتجاوز المقاربات الواقعية للذات، إذ تصبح الشخصيات محمولة على «حالات وجودية» تتحدى التقليدية.
الإخراج والسينوغرافيا
في إخراج الوسلاتي، يبدو أنّ هناك ميلًا إلى التقليل من الديكور الزائد والتركيز على:
جسد الممثل
الحركة التعبيرية
الإضاءة والصوت كعناصر بنائية
هذا الأسلوب يتسق مع رؤى المسرح التجريبي/الحديث الذي يعتبر الجسد والمكانية عنصرين متممين للخطاب النصي. من المرجّح أن توظيف الإضاءة والصوت يخدم التموجات العاطفية في النص بدلاً من مجرد التأطير الزمني والمكاني التقليدي.
الأداء التمثيلي والتحولات الرمزية
في أعمال مماثلة تعتمد الأسطورة، يصبح أداء الممثلين جسديًا وحركيًا أكثر من كونه مجرد ترديد نص:
الحركة التعبيرية تعكس التحولات النفسية لشخصيات الأسطورة.
اللغة الصوتية والإيقاع يتحولان إلى موسيقى درامية مكثفة.
وفقًا لفيلسوف المسرح آنتونين أرتو، المسرح يجب أن يصل إلى «حالة طقسية» تتجاوز التمثيل الواقعي. يبدو أن «عشتروت» تقترب من هذه الحالة حين تتداخل الجسدية مع المعنى.
الدلالات والقراءات النقدية
يمكن قراءة المسرحية عبر عدّة محاور نقدية:
الهوية والتحرّر
تجسد عشتروت صراع الفرد في المجتمع بين التحرر من القواعد الاجتماعية والانسياق تحتها.
السلطة والأنا
الصراع بين الشخصيات يمثل صراعًا بين الرغبة الفردية وقوى المجتمع/السلطة.
الأنثى والسلطة
عشتروت كرمز للأنوثة تتحوّل إلى احتجاج على تقييد الجسد/الرغبة في المجتمع.
بهذا، تقدم المسرحية متنًا نقديًا للمفاهيم التقليدية وتفتح مساحات تأويل متعددة.
«عشتروت» ليست مجرد إعادة سرد لأسطورة قديمة، بل مشروع نقدي وفني يستثمر الأسطورة كنص حي يتحاور مع حاضر الإنسان وقضاياه الكبرى. من خلال إخراج عماد الوسلاتي، تتحول العناصر المسرحية من نص وحوار فقط إلى سيمفونية من الحضور الجسدي، الضوء، الصوت، والزمن الدرامي.
المسرحية بهذا المعنى تسهم في ثورة المعنى على الخشبة، وتؤكد أن المسرح، بما هو خطاب حي، قادر على إعادة صياغة التجربة الإنسانية عبر رموزها القديمة لتكون مرآة للمشاكل والبحث عن الذات في عالم معاصر دائم التغيير.










