الاخيارية وكالات
أعلن رجال الدين المتشددون في إيران النصر. وانسحبت ميليشيات «الباسيج» العنيفة إلى أوكارها. وبدأ عمّال البلديات بتنظيف دماء القتلى من أرصفة طهران.
ومع ذلك، وبينما يفقد المتظاهرون الإيرانيون الأمل في تدخل أميركي ينقذهم، تتزايد المؤشرات على أن دونالد ترامب قد يكون لا يزال يستعد لتوجيه ضربة إلى البلاد.
تتحرك الأصول البحرية إلى مواقعها. فقد توقفت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية، المتجهة من الشرق الأقصى نحو بحر العرب، عن بث بيانات التتبع. وأفادت تقارير بأن مجموعة حاملة طائرات ثانية دخلت البحر المتوسط، بينما تتجه ثالثة شرقًا عبر المحيط الأطلسي.
ولا يقتصر هذا الحشد على البحر فقط. إذ تشير بيانات تتبع الرحلات الجوية على الإنترنت إلى أن عددًا كبيرًا من مقاتلات «إف-15» الأميركية، المتمركزة عادة في قاعدة لاكنهيث التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في سوفولك، أُعيد نشرها في الأردن.
وبعد ثلاثة أسابيع من وعد ترامب للمتظاهرين بأن القوات الأميركية «جاهزة ومعبّأة» وأنها «ستأتي لإنقاذهم»، قد تكون المساعدة التي تعهّد بها في طريقها أخيرًا.
غير أن هذه المساعدة، بالنسبة لأولئك الذين استجابوا لندائه بالبقاء في الشوارع خلال أكثر انتفاضة دموية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، تأتي متأخرة جدًا. فلم يبقَ متظاهرون لإنقاذهم. فقد قُتلوا أو أُصيبوا أو زُجّ بهم في السجون، أو عادوا مهزومين إلى منازلهم.
وتقدّر منظمات حقوقية أن عدة آلاف قُتلوا، وأكثر من 26 ألفًا اعتُقلوا. ويقول كثير من النشطاء إن من خاطروا بحياتهم يشعرون بأن ترامب خانهم، بعدما دعاهم في منشور مكتوب بأحرف كبيرة على منصته «تروث سوشال» إلى «مواصلة الاحتجاج».
وكانت إيران تنتظر أن تبادر الولايات المتحدة بالضربة الأولى قبل أن تضغط على الزناد، بعدما أعادت بناء ترسانتها تدريجيًا عقب حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران الماضي. ويعتقد محللو استخبارات أن مواد كيميائية مستوردة من الصين قد تتيح لإيران تزويد ما يصل إلى 500 صاروخ باليستي بالوقود.
ويُقال إن ترامب كان على وشك إصدار أمر بشن ضربات الأسبوع الماضي، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة، مجادلًا بأن النظام استجاب لتحذيراته بإلغاء خطط شنق مئات المعتقلين الذين أوقفوا خلال الاضطرابات.
لكن دبلوماسيين ومحللين يقولون إن الأرجح أنه خضع لضغوط من دول خليجية تخشى ردًا صاروخيًا إيرانيًا على القواعد الأميركية في أراضيها، ومن إسرائيل التي قدّرت أنها تفتقر إلى دفاعات جوية كافية لتحمّل هجوم إيراني مطوّل.
وكان كثيرون يعتقدون أن نافذة العمل العسكري قد أُغلقت، خصوصًا بعد أن حوّل الرئيس الأميركي اهتمامه إلى غرينلاند. غير أنه في الأيام الأخيرة ضغط على مساعديه لتقديم خيارات من شأنها إحداث أثر «حاسم» في إيران، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال».
ولا يزال معنى «الحاسم» غير واضح. وتتراوح الخيارات المطروحة، وفق التقارير، بين ضربات محدودة على منشآت «الحرس الثوري» وحملة مطوّلة تهدف إلى شلّ النظام.
قد يكون ترامب يناور، مستعرضًا القوة لإجبار طهران على التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي. لكن ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأنه جاد. فإسقاط النظام، أو إزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي، سيكون إنجازًا يفوق حتى اعتقال نيكولاس مادورو في فنزويلا.
كما قد يخشى ترامب أن يؤدي التراجع بعد إطلاق تهديدات صريحة إلى الإضرار بمصداقيته. ويظل فشل باراك أوباما في فرض «خطه الأحمر» بشأن استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية في سوريا عام 2013 قصة تحذيرية يستشهد بها الرئيس الأميركي الحالي مرارًا.
وقال دبلوماسي غربي: «ترامب يخشى أن يُتهم بالضعف إذا لم يفعل شيئًا. وهذا ما يريد تجنبه».
ويرى آخرون أن تردد ترامب تحكمه اعتبارات عسكرية أكثر من حسابات سياسية. ويقول غريغوري برو، الخبير في الشأن الإيراني لدى مجموعة «يوراسيا» في نيويورك، إن الولايات المتحدة كانت تمتلك قوة هجومية كافية في المنطقة، لكنها افتقرت في البداية إلى دفاعات كافية لحماية قواعدها الإقليمية وإسرائيل من الرد الإيراني.
فحرب إسرائيل مع إيران التي استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران أضعفت قدرات طهران الصاروخية لكنها لم تقضِ عليها. فقد ضُربت أنظمة متوسطة المدى، غير أن الترسانة الضخمة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى — وهي الأكثر قدرة على استهداف الولايات المتحدة ودول الخليج — بقيت إلى حد كبير سليمة.
وتُعالج هذه المخاوف الآن. إذ أفادت تقارير بنشر منظومات دفاع جوي من طراز «باتريوت» و«ثاد» في قاعدة العديد الأميركية في قطر وفي أماكن أخرى بالمنطقة. وإذا رأت إسرائيل أن دفاعاتها قد تعززت بما يكفي، فقد تعود لدعم ضربات تهدف إلى تقويض القوة الصاروخية الإيرانية أكثر.
وقال برو: «الولايات المتحدة تستعد بوضوح لاستخدام القوة ولتحمّل الرد الإيراني في آن واحد.
احد. لذلك أعتقد أن الاحتمال قائم فعلًا. والسؤال هو: ماذا تريد أن تحقق؟ أعتقد أن الإدارة حسمت أمرها بشأن امتلاك الإرادة لضرب إيران، وهي الآن تحاول تحديد الهدف».
وأي عمل عسكري سيكون محفوفًا بالمخاطر. فحتى لو أدت الغارات إلى إشعال احتجاجات جديدة — وهو افتراض كبير في ظل القمع الذي فُرض بالفعل — فإن القوة الجوية وحدها نادرًا ما تُسقط الأنظمة.
فقد احتاج الأمر إلى أشهر من ضربات «الناتو» الجوية، مقرونة بتقدم المتمردين، لإسقاط معمر القذافي في ليبيا. ولا توجد في إيران حركة تمرد مماثلة. وعلى خلاف ليبيا، تحتفظ إيران بقدرة على الرد خارج حدودها.
وقد تغيّرت حسابات النظام. فبعد فقدانه الشرعية وفشله في احتواء شعبه، لجأ إلى القوة الغاشمة للبقاء. وهذه الوحشية نفسها قد تُوجَّه الآن إلى الخارج.
في يونيو/حزيران من العام الماضي، وبعد أن أضعفت إسرائيل شبكتها من الوكلاء، اختارت إيران ترشيد استخدام صواريخها وتجنّب استهداف جيرانها في الخليج، باستثناء ضربة رمزية ومدروسة على قاعدة العديد. وهذه المرة، قد ترى أسبابًا أقل لضبط النفس.
ورغم الانتكاسات الأخيرة، لا تزال إيران تمتلك قوة صاروخية هائلة. فمن بين مئات الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل في يونيو/حزيران، اخترق العشرات منظومات الدفاع الجوي، ما أدى إلى مقتل مدنيين. ويقول محللون عسكريون إن حتى نسبة اختراق صغيرة يمكن أن تكون لها آثار مدمّرة.
ومنذ الحرب، تشير تقييمات استخباراتية غربية إلى أن إيران أعطت أولوية لإعادة بناء برنامجها الصاروخي، عبر استيراد مواد كيميائية أولية من الصين لإنتاج وقود صلب. وبحسب كان كاساب أوغلو من معهد «هدسون»، فإن جزءًا كبيرًا من الترسانة نجا من الضربات، مخبأً في منشآت تحت الأرض بُنيت بمساعدة كوريا الشمالية.
وتشير تقييمات استخباراتية من العام الماضي إلى أن إيران استوردت أطنانًا من بيركلورات الصوديوم إلى ميناء بندر عباس. ويُعتقد أن هذه الكميات تكفي لتزويد عدة مئات من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى. كما حدّدت الاستخبارات البحرية أسطولًا صغيرًا من سفن الشحن يكرر رحلاته بين الصين وإيران.
وتُظهر صور أقمار صناعية أيضًا استخدام «ميناء الإمام الخميني الفضائي» لإجراء تجارب إطلاق صاروخية، حيث يشير احتراق منصة الإطلاق إلى تعرضها لحرارة شديدة.
وبعد أن فوجئت إيران العام الماضي بضربات «قطع الرأس» التي قتلت عشرات المسؤولين الكبار في أسرتهم، رغم تحذيرات صينية من هجوم إسرائيلي وشيك، كان أول ما سعت إليه بعد الحرب هو تعزيز حماية الأهداف عالية القيمة، بحسب محللين أمنيين.
وبات المسؤولون الكبار يتناوبون الإقامة في منازل آمنة ويغيّرون مركباتهم باستمرار، وطُلب منهم عدم حمل الهواتف المحمولة، وفق محللين تحدثوا إلى مصادر في «الحرس الثوري».
ومن الواضح أن جهودًا كبيرة بُذلت لتفكيك شبكات الاختراق، وشهدنا إعدامات عديدة لمشتبه بتجسسهم بعد الحرب. ومع ذلك، من المحتمل أن تكون شبكة التجسس الإسرائيلية لا تزال قائمة. وقد أقرّ مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي السابق ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين، بأن محرضين إسرائيليين لعبوا دورًا في الاحتجاجات، ما يدل على أن لإسرائيل قدرات بشرية داخل إيران.
كما ناقشت إيران مع الصين احتمال شراء منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى «HQ-9B». وعلى الرغم من تقارير إعلامية معاكسة، لا يوجد دليل على أن الصين سلّمت هذه المنظومات لإيران.
وفي الوقت نفسه، أفاد مسؤولون إيرانيون بأن 16 من أصل 21 موقعًا للصواريخ الباليستية التي ضربتها إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي قد أُعيد بناؤها، فيما تستمر أعمال الإصلاح في المواقع الأخرى.
وقال مسؤولون إيرانيون كبار إن الصواريخ ومنصات الإطلاق جرى تجهيزها بالفعل تحسبًا لضربة مفاجئة محتملة من الولايات المتحدة.
وأضاف مسؤول إيراني رفيع: «وحدات الصواريخ تحت الأرض في حالة تأهب قصوى منذ أسابيع. إذا أراد ترامب توجيه ضربة بلا سبب، فكل شيء جاهز له».
وقال خطيب صلاة الجمعة في طهران، علي أكبر أكبري، ردًا على التهديدات الأميركية، إن «جميع مصالحكم وقواعدكم أهداف واضحة ودقيقة لصواريخنا».
وأضاف في خطبة الجمعة: «التريليون دولار التي استثمرتموها في المنطقة تقع تحت مرمى صواريخنا».
وبينما قد يكون المسؤولون الأميركيون بصدد إعداد قائمة بالخيارات العسكرية، تبقى دول الخليج حذرة. فمن وجهة نظرها، لم تعد إيران تشكل التهديد الوجودي الذي كانت تمثله سابقًا، بعد أن أضعفتها إسرائيل بشدة.
وقد غيّر ذلك الحسابات الإقليمية. فالقادة العرب الذين سعوا يومًا إلى سحق إيران يفضّلون اليوم تعايشًا مضطربًا على حرب سيدفعون هم كلفتها المباشرة.
وإذا ردّت إيران بكامل قوتها، فقد تكون العواقب مدمّرة — ليس فقط لإسرائيل، بل وبدرجة أكبر للدول القريبة المعرضة لترسانة إيران الكبيرة من الصواريخ قصيرة المدى.
وقال كاساب أوغلو: «حرب الصواريخ، في جوانب كثيرة، تميل
لمصلحة الهجوم. الحسابات قاسية: من أصل 100 صاروخ، حتى نسبة اعتراض تبلغ 80% تترك 20 صاروخًا تخترق الدفاعات. وبالنسبة للدول الصغيرة، يكون هامش الخطأ أضيق».
وأضاف: «لهذا تنظر إسرائيل ودول الخليج العربية بقلق بالغ إلى برنامج إيران الصاروخي. فمن محطات تحلية المياه إلى البنية التحتية الهيدروكربونية، تستطيع طهران إلحاق أضرار جسيمة حتى مع معدلات اختراق منخفضة نسبيًا».










