في الأزمنة العادية يمكن للأخطاء أن تمر وللتردد أن يجد له مبررا وللكلمات أن تقال دون حساب دقيق .. أما في اللحظات الفارقة فكل شيء يصبح مكشوفا: القرار ، الصمت التوقيت وحتى النوايا .. نحن نعيش لحظة من هذا النوع… لحظة لا تقبل الاستسهال ولا تحتمل الترف ولا تسمح بأنصاف الحلول .. العالم من حولنا لا يشبه ما كان عليه قبل سنوات قليلة .. اضطراب اقتصادي، توترات سياسية، تحولات اجتماعية متسارعة، وضغط نفسي عام يطال الأفراد كما يطال الدول. لم تعد الأزمات تأتي فرادى بل تتزاحم وتتداخل وتفرض واقعا جديدا لا يمكن تجاهله أو الهروب منه. في هذا السياق تصبح مسؤولية اللحظة اختبارا حقيقيا للجميع: صانع القرار، المثقف، الإعلامي، وحتى المواطن العادي .. مسؤولية اللحظة لا تعني البحث عن بطولات زائفة ولا رفع سقف التوقعات بما يفوق القدرة على التنفيذ.
هي تعني أولا الوعي بحجم الواقع ، والاعتراف بتعقيده والتعامل معه بعقل بارد ونفس طويل .. فأسوأ ما يمكن أن يدار به زمن صعب هو الخطاب السهل والحلول السريعة وتغذية الأوهام .. السياسة في هذه اللحظة مطالبة بأن تكون أكثر هدوءا، وأكثر دقة، وأقل انفعالا .. لم يعد مقبولا أن تدار القضايا الكبرى بمنطق رد الفعل أو أن تتخذ القرارات تحت ضغط اللحظة فقط. فالمسؤولية هنا لا تقاس بشدة الصوت بل بقدرة القرار على الصمود وبمدى حفاظه على التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق المستقبل.
اقتصاديا تتجلى مسؤولية اللحظة في الصدق مع الناس.
الناس لا تنتظر معجزات لكنها ترفض التجميل الزائد وترغب في خطاب واضح يفهم معاناتها ويشرح لها التحديات دون تهوين أو تهويل. فالاقتصاد ليس جداول وأرقاما فقط بل هو حياة يومية وأمان نفسي وقدرة على التخطيط للغد ولو بخطوة صغيرة .. حين يشعر المواطن أن الواقع يقال له كما هو يصبح أكثر استعدادا للتحمل والمشاركة.
أما اجتماعيا فنحن أمام اختبار صعب للتماسك.
الضغوط المتراكمة خلقت حالة من الإرهاق العام وجعلت الصبر موردا نادرا. هنا تظهر مسؤولية الخطاب العام: هل يخفف الاحتقان أم يزيده؟ هل يفتح نوافذ للفهم أم يغلقها؟
المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الأزمات بل حين تفقد قدرتها على الاستماع لبعضها البعض.
الإعلام أيضا شريك أساسي في مسؤولية اللحظة.
فالكلمة اليوم ليست محايدة والعنوان ليس تفصيلا وطريقة التناول قد تهدئ أو تشعل.
المهنية هنا ليست ترفا بل ضرورة وطنية. نقل الحقيقة وتحليلها بعمق وتقديمها في سياقها الكامل هو جزء لا يتجزأ من حماية الوعي العام في زمن الالتباس.
وعلى مستوى الأفراد لا تقل المسؤولية أهمية.
فالمشاركة الواعية والابتعاد عن الشائعات وعدم الانجرار وراء الغضب السريع كلها أفعال صغيرة في ظاهرها لكنها تصنع فارقا حقيقيا .. اللحظات الكبرى لا تصنعها القرارات وحدها بل السلوكيات اليومية أيضا.
مسؤولية اللحظة تعني أن ندرك أن ما نفعله الآن سيحاسب عليه الغد .. أن ندرك أن التاريخ لا يرحم الاستسهال ولا يكافئ من تجاهل إشارات التحذير .. هي لحظة تحتاج إلى شجاعة عقلية أكثر من شجاعة خطابية وإلى حكمة في التقدير قبل الجرأة في الفعل.
ربما لا نملك رفاهية اختيار الظروف ، لكننا نملك دائما خيار كيف نواجهها وهنا تحديدا تتجسد مسؤولية اللحظة:
أن نكون على قدرها… لا أكثر ادعاء ولا أقل وعيا.










