المرحلة تتميز بتنسيق مصري/سعودي على مختلف الأصعدة، مصر لم تتوقف جهودها -منذ تمرد الدعم السريع في السودان أبريل 2023- لجمع مختلف الأحزاب والقوى السياسية، في محاولة للتوصل الى توافق يوقف القتال ويجهض مخططات اسقاط وتقسيم الدولة، وفي نفس الوقت تقديم مختلف صور الدعم للجيش السوداني، ما مكنه من استرداد الخرطوم العاصمة والولايات التي سبق ان اجتاحتها الميليشيات، باستثناء دارفور وبعض مناطق كردفان، بحكم اقترابهما من خطوط الدعم والامداد في شمال وغرب البلاد، لكن مصادر دعم الميليشيات فتحت مسارات جديدة لزيادة معدلات التدفق، وإجهاض الهجوم المضاد للجيش واستعادة الولايات التي طردت منها، ما فرض على مصر تفعيل اتفاق الدفاع المشترك لمنع المساس بوحدة الدولة السودانية واستعادة استقرارها.
رؤية السعودية لأمنها القومي اتسعت عقب أزمة إقليمي حضرموت والمهرة باليمن، وتهريب «عيدروس الزبيدي» زعيم الانفصاليين عبر صوماليلاند.. الصراع الإقليمي حول اليمن والقرن الأفريقي «الصومال، اريتريا، وجيبوتي» واثيوبيا وجنوب السودان والسودان وليبيا، جعلتهم إما حدودا للأمن القومي للسعودية ومصر، أو طوق حصار إسرائيلي، المملكة قررت التعامل ببراجماتية، وتقديم الدعم بزخم للدول المستهدفة لاستعادة توازنها، وقطع كل مسارات دعم المتمردين.. السودان حجر الزاوية في تلك المواجهة، لأن الهدف الاستراتيجي للتمرد الوصول لسواحل البحر الأحمر والسيطرة على ميناء بورتسودان.
السعودية استقبلت قائد الطيران الباكستاني المارشال «ظهير أحمد بابار سيدو» 5 يناير 2026، لتمويل صفقة أسلحة للسودان بمبلغ 1.5 مليار دولار، لإعادة بناء قواته الجوية بمقاتلات «JF-17»، المقابلة لطائرات «F-16»، وتشييد منظومة ردع متكاملة، الصفقة جاري تنفيذها، وبدأ البرنامج التدريبي للطيارين والمهندسين السودانيين في باكستان.
تطويق مصر والسعودية لتمدد الميليشيات السودانية، فرض تجفيف منابع وممرات الدعم الخارجي كما يلي:
أولا: الدعم العسكري للميليشيات كانت تحمله طائرات الشحن عبر ممرات الطيران المدني في المجال الجوي للجزيرة العربية، قبل عبورها المجال الجوي للبحر الأحمر والتوجه غربا في اتجاه قاعدة الكفرة العسكرية جنوب شرق ليبيا، التوافق على إغلاق المجال الجوي في وجه تلك الطائرات أجبرها على تغيير مسارها لتعبر فوق جيبوتي وجنوب السودان فأفريقيا الوسطى وتشاد قبل دخول ليبيا.
ثانيا: بمجرد تفريغ شحنات الدعم العسكري في الكفرة كانت تنضم لناقلات الوقود وتتحرك برا عبر المثلث الحدودي «السودان/ليبيا/مصر»، أما المرتزقة والمعدات الحساسة فتتجه جوا لمطار نيالا.. الطيران السوداني أخرج المطار من الخدمة، والقاهرة استقبلت حفتر 8 ديسمبر لوقف قوافل الدعم لمساسها المباشر بأمن مصر القومي، بعدها استهدف الطيران القوافل فور عبورها للحدود، وتحرك الجيش للسيطرة على المثلث، وبعد زيارة صدام حفتر نائب القائد العام للجيش للقاهرة 8 يناير، تم إغلاق قاعدة الكفرة.
ثالثا: الممر البحري عبر بحر العرب وخليج عدن انتهاء بمينائي بربرة «بصوماليلاند» وبوصاصو «ببونتلاند»، ومنهما بطائرات الشحن نحو «أصوصا» بإقليم «بني شنقول قمز» الإثيوبي، قبل نقله عبر الحدود مع السودان، تواجد البحرية السعودية في بحر العرب وخليج عدن، والمصرية بامتداد سواحل القرن الأفريقي قطع هذا الممر، والصومال الغت الاتفاقيات الأمنية والدفاعية والاقتصادية -خاصة المتعلقة بإدارة الموانئ- التي وقعتها الأقاليم الانفصالية، لعدم قانونيتها واستخدامها كمنافذ دعم للميليشيات.
رابعا: مطار «امدجراس» شمال تشاد كان يستقبل طائرات الدعم، وتنقل الشحنات بقوافل برية لغرب دارفور «الجنينة»، الجيش السوداني هدد باستهداف المطار، وأجبر تشاد على تقييد استخدامه، فحولت الميليشيات شرق تشاد لقاعدة خلفية لتجنيد المرتزقة من عرب الصحراء الأفريقية والمعارضة التشادية المسلحة، وكساحة هروب تنسحب اليها تشكيلاتهم إبان هجمات الجيش، كما حولتها لمركز عمليات لوكلائها ولمهربي الوقود وجامعي الذخائر من السوق المحلي، قوات الأمن التشادية بدأت حملات مطاردة لوقف عمليات التهريب، ما أدى لصدامات عنيفة مع الميليشيات، حدت من نشاطها.
خامسا: إثيوبيا بدأت المشاركة الصريحة في مواجهة عمليات تقييد خطوط الامداد عبر الممرات المختلفة، وذلك بإمداد الميليشيات السودانية بالمركبات القتالية ومنظومات المدفعية وأجهزة التشويش عبر «أصوصا» عاصمة «بني شنقول قمز» شمال غرب البلاد، وافتتحت معسكرا لتدريب الميليشيات والمرتزقة لاقتحام إقليم النيل الأزرق المتاخم للحدود الإثيوبية.. الجيش سارع بتعزيز وجوده في النقاط الحدودية وأنشأ شريطا عازلا لإبعاد الميليشيات عن الحدود، وشن هجمات استباقية على معسكراتهم بمنطقة «يابوس» الحدودية ومحيطها، فتراجعت لمعسكراتها بمنطقة «أولو» جنوب غربي الإقليم، وتم قطع خط الامداد الجديد.
الجيش فك حصار «الدلنج» ثاني أكبر مدن جنوب كردفان المفروض منذ بداية الحرب، والتي تتحكم في خطوط الإمداد بين شمال وغرب وجنوب إقليم كردفان، كما استعاد مدينة «هبيلا» ومنطقة السِّلِك، ما أمن الطريق لـ «الأبيض» شمالا وفتح الطريق لفك الحصار عن «كادقلي» جنوبا، تبادل الاتهامات بشأن المسئولية عن الهزائم فجرت الخلافات داخل صفوف الدعم السريع كما زعزعت تحالفه مع الجبهة الشعبية «الحلو».
الشرق الأوسط وشرق أفريقيا يشهدان تطورات متسارعة، أدت لتقويض أذرع إيران العسكرية، وميليشيات المجلس الانتقالي اليمني، والحد من نفوذ القوى المحركة للنزعات الانفصالية في صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند، والسيطرة على ممرات دعم الميليشيات السودانية المتمردة كمقدمة لإجهاض محاولات تقسيم الدولة.. الحرص على استمرار تلك القيود ينهي التآمر على اليمن، ويعيد للصومال وحدة ترابه الوطني، وينشر الأمن والسلام في ربوع السودان.
المنطقة على أعتاب تغييرات جيوسياسية كبرى أبرز ما فيها مواجهة قوى الإقليم لعرّابي مخططات التقسيم، مما يفسر اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في محاولة للدخول المباشر لساحة القرن الأفريقي دفاعا عن مصالحها التي عجزت عن تحقيقها بالوكلاء، نتيجة صلابة الموقفين المصري والسعودي، واستمرار هذا التحالف كفيل بإجهاض مخططاتهم.










