لم تتمكن مصر من امتلاك سلاح نووي في الستينيات نتيجة قيود فنية، اقتصادية، وسياسية، أبرزها محدودية القدرات التكنولوجية والعلمية في ذلك الوقت، ونقص الموارد المالية الضخمة اللازمة للبرنامج النووي، بالإضافة إلى الضغوط الدولية المكثفة من القوى العظمى لمنع الانتشار النووي، والتركيز على تطوير الأسلحة التقليدية و{الأسلحة الكيميائية}، مع التركيز على بناء المفاعل البحثي الأول فقط.
ليس الخلاف الذي نشب بين مصر وإسرائيل بشأن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية خلافاً مقصوراً على امتلاك إسرائيل ترسانة نووية غير معلنة، بل هو يمس أيضاً صميم علاقة مصر بإسرائيل في وضع يتعرض الشرق الأوسط في لتغيرات أساسية في ظل العملية الجارية الآن والمنسوبة إلى هدف “السلام”. وما الجدل الذي دار حول المعاهدة النووية بصورة علنية، في محافل متعددة، إلا الجزء الظاهر لخلاف أبعد مدى وأخطر دلالة.
وليس سراً أن إسرائيل تمتلك ترسانة تضم قنابل نووية بقدر الخبراء عددها بما يتراوح بين 200 و300 قنبلة. وقد امتنعت مصر لفترة طويلة من التصدي لموضوع تسلح إسرائيل النووي. والحقيقة أن عوامل عدو حالت دون إمكان التصدي له، ذلك بأن معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية أُبرمت وإسرائيل ما زالت في حالة حرب مع جميع الأطراف العربية الأُخرى؛ فلم يكن في وسع مصر الاعتراض على ما تملكه إسرائيل من أسلحة، بما في ذلك أسلحتها النووية. ولكن لماذا اكتسب هذا الموضوع أهمية مفاجئة في الوضع الراهن تحديداً؟
يمكن تلخيص الأسباب في حزمة عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية وعلمية، لا سببًا واحدًا.
أولًا: لم يكن هناك “منع دولي” صريح… ولكن صحيح أنه لم تكن هناك معاهدة حظر انتشار نووي (NPT) قبل 1968، لكن هذا لا يعني أن المجال كان مفتوحًا عمليًا، لأن:
التكنولوجيا النووية كانت محتكرة فعليًا من الدول الكبرى المواد الانشطارية (اليورانيوم المخصب/البلوتونيوم) تخضع لرقابة شديدة
أي محاولة جادة كانت ستُواجَه بضغوط سياسية وربما عسكرية
ثانيًا: محدودية القاعدة العلمية والصناعية
رغم أن مصر امتلكت:
علماء بارزين (بعضهم أجانب) مفاعل أنشاص البحثي (1961 بدعم سوفيتي)
إلا أنها افتقدت عناصر حاسمة: صناعة نووية متكاملة منشآت تخصيب أو إعادة معالجة قاعدة صناعية ثقيلة قادرة على إنتاج مكونات القنبلة
⚠️ القنبلة النووية ليست “مفاعلًا + علماء”، بل مشروع صناعي–عسكري ضخم.
ثالثًا: الاعتماد على الاتحاد السوفيتي (وليس الاستقلال النووي)
مصر في عهد عبد الناصر كانت: مرتبطة استراتيجيًا بالاتحاد السوفيتي تعتمد عليه في السلاح والدعم السياسي
والسوفييت: رفضوا تمامًا نقل تكنولوجيا السلاح النووي دعموا الاستخدام السلمي فقط لم يرغبوا في ظهور قوة نووية مستقلة قد تخرج عن سيطرتهم
رابعًا: الكلفة الاقتصادية الهائلة
برنامج نووي عسكري كان سيحتاج: مليارات الدولارات سنوات طويلة من البحث والتجارب تحويل موارد ضخمة من التنمية والجيش التقليدي
في وقت كانت فيه مصر:
تخوض حرب اليمن (نزيف اقتصادي وعسكري) تبني السد العالي تتحمل أعباء اجتماعية وتنموية ضخمة
خامسًا: الحسابات السياسية لعبد الناصر
عبد الناصر كان: زعيم مشروع تحرر عربي وأفريقي يرفع شعار نزع السلاح النووي يدين التجارب النووية (خصوصًا الفرنسية في الجزائر)
امتلاك قنبلة نووية كان سيُحدث: تناقضًا أخلاقيًا وسياسيًا مع خطابه صدامًا مباشرًا مع القوى الكبرى عزلة دولية مبكرة
سادسًا: التركيز على توازن تقليدي لا نووي مع إسرائيل
في الستينيات: إسرائيل كانت سرًا تطور برنامج ديمونة مصر كانت تركز على: التفوق العددي القوة الجوية العمق العربي
وكان الاعتقاد السائد أن: “السلاح النووي غير قابل للاستخدام السياسي في الصراع العربي–الإسرائيلي في تلك المرحلة”
سابعًا: نكسة 1967… الضربة القاضية لأي طموح
بعد الهزيمة: دُمِّر جزء كبير من البنية العسكرية تحول التركيز إلى إعادة بناء الجيش خرج الملف النووي تمامًا من الأولويات
الخلاصة المكثفة مصر لم تُمنع قانونيًا في الستينيات، لكنها كانت:
غير قادرة تقنيًا مقيدة سياسيًا مرهقة اقتصاديًا مرتبطة بتحالف لا يسمح بالاستقلال النووي محكومة بحسابات استراتيجية مختلفة
? الردع غير النووي ? سيناريو انهيار منع الانتشار ? التحليل القانوني–الدستوري من غير شعارات ومن غير مبالغة.
أولًا: كيف تعزّز مصر ردعها غير النووي؟ (البديل الواقعي)
1️⃣ الردع العسكري المتقدم (لا التقليدي فقط) مصر طوّرت نموذج ردع مركّب يشمل:
قوة جوية حديثة ومتنوعة دفاع جوي متعدد الطبقات قوات بحرية قادرة على غلق الممرات صواريخ دقيقة بعيدة المدى (غير نووية)
? الهدف: جعل أي هجوم واسع مكلفًا وغير مضمون النتائج
2️⃣ الردع بالقدرة على التعطيل لا الإبادة
العقيدة الحديثة: تعطيل الموانئ شلّ البنية الحيوية ضرب مراكز القيادة السيطرة على المجالين البحري والجوي
⚠️ هذا النوع من الردع: قابل للاستخدام قابل للتدرج لا يجرّ الدولة إلى عزلة نووية
3️⃣ الردع بالتحالفات المتوازنة
مصر لا تعتمد على محور واحد: علاقات أمريكية شراكات روسية انفتاح صيني عمق عربي وأفريقي
➡️ هذا يخلق: ردعًا سياسيًا موازيًا للردع العسكري
ثانيًا: ماذا لو انهار نظام منع الانتشار النووي عالميًا؟
1️⃣ هل هذا سيناريو محتمل؟ نعم، نسبيًا، بسبب: حرب أوكرانيا سباق التسلح الآسيوي تآكل الثقة في المعاهدات استخدام النووي كورقة سياسية
لكن: الانهيار سيكون جزئيًا لا شاملًا
2️⃣ ماذا تفعل مصر لو حدث ذلك؟ مصر تحتفظ دائمًا بـ: هامش قانوني قدرات علمية سلمية خيار مراجعة السياسات
⚖️ قانونيًا:
معاهدة NPT تسمح بالانسحاب (مادة 10) لكن بشروط سياسية قاسية ? القرار هنا: ليس تقنيًا… بل وجودي.
3️⃣ هل تتحول مصر للنووي العسكري؟
التحليل الواقعي: ❌ لا كخيار أول ❌ لا كرد فعل ✔️ فقط إذا: انتشر النووي إقليميًا زال الغطاء الدولي
ظهر تهديد وجودي مباشر ➡️ أي أن النووي خيار أخير جدًا، لا أداة سياسة يومية.
ثالثًا: التحليل القانوني–الدستوري للموقف المصري
1️⃣ دستوريًا
الدستور المصري: يربط الأمن القومي بـ: التنمية الاستقرار السلم الإقليمي لا يقرّ عقيدة عسكرية عدوانية يجعل السياسة الخارجية: قائمة على السلام والتوازن
➡️ السلاح النووي يتناقض مع هذا الإطار إلا في حالة الضرورة القصوى.
2️⃣ قانونيًا دوليًا
مصر: دولة طرف في: NPT معاهدات نزع السلاح قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة هذا يمنحها: ✔️ حصانة قانونية
✔️ قدرة مساءلة الآخرين ✔️ مركزًا تفاوضيًا قويًا
3️⃣ الذكاء القانوني في الموقف المصري
مصر لم تُجمّد نفسها: لم تتنازل عن التكنولوجيا السلمية لم تُغلق باب المراجعة
لكنها:
حمّلت الآخرين عبء الإثبات ووضعت النووي الإسرائيلي في موضع الاتهام الدائم ? هذا هو الردع القانوني.
الخلاصة الكبرى (تقدير موقف شامل)
? لماذا لم تمتلك مصر القنبلة؟
لأنها: لا تحتاجها للبقاء ستخسر أكثر مما تكسب تمتلك بدائل أكثر مرونة ? لماذا لم تترك الملف النووي؟
لأن: تركه = شرعنة نووي الآخرين الضغط المستمر = تحجيم الخطر
? أين تقف مصر اليوم؟ في نقطة نادرة: دولة غير نووية لكنها ليست ضعيفة وتؤثر في معادلة نووية إقليمية كاملة
الجملة الختامية (تلخيص الفكرة كلها) الأمن القومي المصري بُني ليصمد بدون قنبلة، ويظل قادرًا على اتخاذ القرار لو تغيّر العالم.
وده مش ضعف… ده عقل دولة قديمة بتفكر بعمر الحضارة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










