طفت على السطح كلمات تتردد على ألسنة النقاد وهي مقترنة بحالة الغموض والتعقيد للأعمال الأدبية والمسرحيات ، وقد صارت مرادفة في الذهن لتلك الأعمال التي ينفر منها الجمهور ، وخاصة تلك التي يكون كاتبها أو مخرجها أحد أهل السطوة في عالم المسرح خاصة من أولئك المهرجاناتية التي تفشل أعمالهم فشلا ذريعا فينصرف عنها الجمهور ليواجهها المتشظون ( أهل التشظي ) بعلو واستكبار في تعال وغطرسة واتهام للجمهور في ذوقه وذائقته وفهمه وسط تهليلات الإعلام المسرحي الكاذب من أصحاب النقد الموجه والأقلام المسخرة .
التشظي
لغة: التشظي لغةً هو الانشقاق، التفتت، وتطاير القطع (الشظايا) من جسم صلب
وفي النقد الأدبي والمسرحي : يُعد التشظي أداة رئيسية لتصوير الذات المعاصرة المتناقضة وكسر الحبكة التقليدية، وهو أسلوب فني ظهر في روايات والأعمال الفنية السينمائية والمسرحية في فترة ما بعد الحداثة، يقوم على تمزيق الوحدة الموضوعية أو الهيكلية للنص (قصيدة، رواية)أو المسرحية أو الفيلم إلى أجزاء وشظايا فنية منفصلة لتعزيز بلاغة التشتت والانفصال، لما يتضمنه ويشكله في رؤية مشتتة .
ظهر مصطلح ومفهوم التشظي(Fragmentation) في الأدب والمسرح بشكل بارز مع مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً في ستينيات القرن العشرين، كاستجابة فنية وفلسفية لحركة ما بعد الحداثة والمناهج التفكيكية. ارتبط المصطلح بالرواية المعاصرة ومسرح ما بعد الدراما كتقنية فنية تعكس الشك، والتعددية، وتفتت البنية التقليدية للحبكة والشخصيات
أبرز تفاصيل ظهور المصطلح:
المسرح: برز التشظي كسمة لمسرح “ما بعد الدراما” في أواخر القرن العشرين، حيث تجاوز البنية الدرامية الكلاسيكية (بداية، وسط، نهاية) إلى اعتماد التقطيع والمشهدية.
الأدب: ارتبط بظهور المنهج التفكيكي الذي أسسه “جاك دريدا” عام 1960، والذي أثر في بنية النصوص الأدبية لتصبح أكثر تشظياً.
وظهر في الأدب العربي كثورة وتمرد على الأشكال الكلاسيكية
السردية: تداخل مصطلح التشظي مع دراسات السردية التي نشطت مع “تودروف” عام 1969.
يُعد التشظي أداة رئيسية لتصوير الذات المعاصرة المتناقضة وكسر الحبكة التقليدية.
التشظي في المسرح العربي
. التشظي كأداة نقدية وسياق سياسي
التغريب (بريخت): استلهم المسرحيون العرب (مثل سعد الله ونوس) تقنيات التغريب لكسر الاندماج العاطفي، وهو نوع من “تشظي الإيهام” لدفع المتفرج نحو التفكير النقدي في الواقع السياسي.
انعكاس الواقع: يُنظر إلى هذا التفتت الفني كمرآة لـ “التشظي المجتمعي” والحروب التي تعيشها المنطقة، حيث يعجز الفن عن تقديم صورة “ناضجة” أو ملحمية متماسكة لواقع يتآكل من الداخل.
وقد ظهر التشظي في المسرح العربي كعلامة ثورية تحريضية رافضة تهدف إلى كسر الأنماط التقليدية الكلاسيكية للبناء الدرامي تتضح معالمه في :
- نصوص بلا تسلسل زمني منطقي ( بداية وعقدة وحل)، ولاترتيب منطقي ولازمني للأحداث والصراعات ، فتكون المحصلة مشاهد مجزأة ومقاطع متداخلة تارة متنافرة أخرى .
- حوار متداخل لا يعنى بالكشف عن الشخصيات مع غياب الوحدة الموضوعية وتسلسل الحوارات مع الأحداث ، مما ينتج دلالات متعددة مشتتة .
- غياب المرجعية: في المسرح “ما بعد الدرامي”، تصبح لحظة الكلام والأحداث المسلسلة هي الأساس بدلاً من الشخصية ذات البناء المتكامل.
- الشخصيات بلا هيكل درامي ولا وحدة شخصية بل تعدد شخصيات متناقضة تحمل سمات تشظي الذات .
- الأداء الدرامي المتشظي الراقص المنفصل المتنافر الممزق الأحاسيس المتفتت الملامح الدرامية .
- مظلة سينوغرافية رقمية بإمكانياتها الهائلة من فيديومابينج ( إسقاط ضوئي) ، وهولوجرام ( طيف شبحي) ، وتقنيات الأداء المعزز AR Augmented Reality ، والأداء الافتراضي Virtual Reality VR ، والأداء عن بعد Teleformanceوغيرها ،مما يسهل وييسر بعثرة الزمان والمكان والحدث ، مع إعادة تشكيل الفضاء بصورة تجريدية تكسر الإيهام التقليدي
- بعثرة الوحدات الكلاسيكية الثلاث الزمان والمكان والحدث مع انتقال سريع في الزمن ما بين الماضي والحاضر والمستقبل بلا حدود فاصلة لتقنيات السرد الخطي بداية وسط نهاية ، أو الدائري العودة بالنهاية حيث نقطة البداية ، وتنافر تقنيات الاسترجاع للماضي ( Flashback) ، القفز للمستقبل ( Flashforward) ، أو التذكر بطريقة عفوية ومفاجئة ( Throw back).
نماذج عربية ناجحة لحرصها على الارتباط بالجمهور
استطاعت توظيف التشظي كأداة فنية دون التضحية بالارتباط بالجمهور، وذلك عبر دمج “التجريب” بـ “القضايا الشعبية” أو “التراث”:
- مسرح الحكواتي (روجيه عساف – لبنان)
استخدم عساف بنية شظايا الذاكرة والحكايات المقطعة، لكنه ربطها بفن الحكواتي التراثي. الجمهور لم يشعر بالغربة لأن “التشظي” هنا يشبه طريقة سرد الأجداد للقصص، مما جعل العرض تجريبياً ونخبوياً في بنائه، وشعبياً وجماهيرياً في تواصله. - مسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر” (سعد الله ونوس – سوريا)
اعتمد ونوس على تقنية “المسرح داخل المسرح”، وهو نوع من تشظي البناء الدرامي حيث يتدخل الجمهور (المفترض) في الحكاية. نجحت هذه الأعمال لأنها استخدمت التفكيك لخدمة قضية سياسية تمس المواطن مباشرة، فصار التشظي وسيلة لإيقاظ الوعي وليس للغموض. - تجربة الطيب الصديقي (المغرب)
وظف الصديقي “الحلقة” والأسواق القديمة في بناء مسرحي غير خطي. بالرغم من أن المشاهد كانت تبدو كـ لوحات منفصلة (تشظي مشهدي)، إلا أن اعتماده على الذاكرة الجماعية المغربية جعل الجمهور يتدفق لمشاهدة أعماله، محققاً معادلة صعبة بين الحداثة والأصالة. - مسرحية “كأسك يا وطن” (دريد لحام ومحمد الماغوط)
رغم طابعها الكوميدي، إلا أنها بنيت على لوحات منفصلة لا يربطها خيط درامي تقليدي سوى الشخصية الرئيسية. هذا “التشظي الكوميدي” كان مفتاح نجاحها؛ لأنه ناسب إيقاع المتفرج البسيط وقدم له رسائل سياسية قوية في جرعات مكثفة ومجزأة.
هنا تحليل كيفية تأثير التكنولوجيا الرقمية على زيادة “تشظي” المسرح العربي
انبهار المخرج بالتقنية (السينوغرافيا الرقمية) يجعله يغرب وينسى “الإنسان” أو “القضية”.
استطاعت التكنولوجيا الرقمية تحقيق تشظي النص بأفكاره إلى عرض ملموس في الفضاء المسرحي حيث تجاوز الخشبة المسرحية الواحدة ، ومواقع الأحداث بجغرافيتها المختلفة ، وسهولة الارتحال عبر الزمان والمكان ، بل والجمع بين زمانين ماضي وحاضر أو مستقبل ، ومكانين أو عدة أماكن عن طريق الداتا شو، Data Show ، تفتيتا لزمان والمكان الأحداث
وفجائية الأحداث والمشاهد ونقلاتها السريعة ، مزجا بين الواقع الافتراضي والمعزز ، مثل مثال توضيحي: في VR، قد تشعر أنك تمشي على سطح المريخ، في AR، قد ترى ديناصوراً صغيراً يمشي على طاولة مكتبك الحقيقية.
الصوت المحيطي: تقنيات الصوت الحديثة تفصل الصوت عن المصدر (الممثل)، فيسمع المتفرج صوتاً قادماً من الخلف بينما الممثل في الأمام، مما يعزز حالة “التشظي الحسي - تشظي الحواس (التلوث البصري والسمعي المقصود)
السينوغرافيا الرقمية: بدلاً من الديكور الثابت، تُستخدم الإضاءة الليزرية والصور المتحركة التي تتغير بسرعة خاطفة، مما يفرض على المتلقي استقبال دفقات بصرية مشتتة تحاكي “تشظي المعلومات” في عصر السوشيال ميديا
إلغاء المركزية: استخدام “الهولوجرام” أو “الواقع المعزز” جعل الحضور الجسدي للممثل يتشظى، حيث يظهر طيفه في أكثر من زاوية، مما يكسر وحدة “المنظور” لدى المتفرج .
العروض المتشظية ونفور الجمهور
لقد كانت الأعمال المسرحية المتشظية سببا رئيسا في نفور الجمهور من العروض المسرحية وابتعاده عن المسارح، وذك للاحتلال الاستيطاني لسدة المنصات المسرحية من قبل المتقعرين أصحاب المناصب المسرحية والأكاديمية والفكر النخبوي وذلك بسبب تنافره وبعده عن الجمهور وذائقته ىفي استعلاء وتصادم واستفزاز واستعلاء من النخبة المهيمنة ، وحصر المسرح في مهرجانات مغلقة لتلك الفئة النخبوية تحت مظلة إعلامية من أقلام مرتزقة صحفيا ونقديا .
وأهم أسباب النفور
- مسرحيات لا تعالج قضايا جوهرية ، منفصلة و منفصمة عن واقع الجمهور سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا وعقائديا ، بعيدة عن الهوية العربية ،تنهل بشراهة من أعمال مترجمة أو لأقلام عربية محدودة الموهبة ولكنها لأصحاب المناصب المسرحية المهرجاناتية ، عبارة عن مشاهد مبعثرة ، بلا رابط ولا ضابط درامي ، بلا حكايات متماسكة ، ولا تسلسل منطقي، و حوار متشنج صارخ زاعق مهلهل غير متماسك مترابط معقد اللغة صعبة الفهم ، وأداء تمثيلي منفلت عشوائي تحت مظلة مسمى العروض ما بعد الدرامية علما بأنه في البدء كانت الكلمة فمن ذا يعادي الأصول، من ذا الذي ينكر البديهيات، ما بعد الدراما بأي معنى مرحلي أو فني ، مسرح ما بعد الدراما محاولة تقطيع أواصر الصلة بين عناصر المسرحة، الاهتمام ببعضها وإعلاء قدره وقيمته من مكونات الصورة المسرحية (السينوغرافيا) مع ميوعة توضيح علاقة النص بالمسرحة من جهة وعلاقة الممثلين والمخرج من جهة ثانية، ثم ثالثا والأهم علاقته ومردوده على الجمهور.
الخلاصة:
إن نفور الجمهور لهو نتيجة إصرار وتعسف النخبويين وأصحاب المناصب المسرحية من المهرجاناتية وأتباعهم بفرض أنماط غريبة وغرائبية تتصادم مع ذائقة الجمهور وأفكاره بل والتعالي عليه وفرض نمطهم الخاص على الجمهور لتتباعد الشقة يوما بعد يوم وتصبح معظم المسارح خاوية على عروشها .
إن “التشظي” في المسرح العربي تحول من “ضرورة فنية” تعكس انكسارات الواقع إلى “موضة تقنية” تستخدمها النخبة بزيف الحداثة لعزل الجمهور.
الحل الحقيقي هو احترام الجمهور ثقافته ورغباته وميوله وتناول قضايا تمسه ، وكل ما يساهم في صنع ذائقته ، والعودة لنصوص الكتاب بعيدا عن النصوص الرقمية بالذكاء الصناعي ، ولنخفف من محاولة فرض الأنماط التجريبية والتي تستند لنصوص أجنبية والاستعانة بالكتاب المسرحيين العرب ، وكفى صداما مع الجمهور .










