في هذا اليوم بدا لي كأنه مغسول بماء الغفران، إذ استيقظت المدينة على همس مختلف. كان أولَ أيام شهرِ رمضان، وكانت الأرواح تتهادى في الشوارع كأنها خرجت لتوِّها من اعتراف طويل. المقاهي التي كانت تضجُّ بالأصوات خفَتَ ضجيجها، وألسنة كانت تنزلق في اللغو صارت تتهجّى الذِّكر. شعرت أن المدينة تخلعُ جلدَها القديم، وتلبس ثوبا أبيض ككفن جميل؛ لا موت فيه، بل حياة جديدة.
كنت أمشي بين الناس فأرى في وجوههم ذلك الوهج الذي يشبه بداية حبّ خجول. الكلُّ صائم، ممتنع عن الأكل والشراب، لكن الامتناعَ الحقيقي كان عن القسوة والظلم، وعن النفاق، وعن الغشّ، وعن الكراهية التي كانت تتسلّل إلى العلاقات كما يتسلّل العفنُ إلى الجدرانِ الرطبة. شعرتُ أن الشهواتِ مربوطةٌ بسلاسلَ خفيّة، وأن النفوسَ تُروَّضُ كما تُروَّضُ الخيول الجامحة. كأننا، دفعة واحدة، صرنا أفضل مما كنّا نظنّ عن أنفسنا.
المساجد امتلأت، لا بالناس فقط، بل بالدموع المكبوتة. رجال لم يكونوا يعرفون الطريق إليها إلا في الجنائز، صاروا اليوم يقفون صفًّا واحدا، تتراصُّ أكتافهم كأنهم يحتمون ببعضهم من عاصفة داخلية. وبعضهم الآخر كان يوازن بين صلاته وتجارته، بين محراب العبادة وعرق الكدح. الكلُّ يحاول أن يكون صالحا … أو على الأقلِّ أن يبدو صالحا. وكنت أسمع في داخلي صدى عبارة تشبه حكمة كونية تقول إن الإخلاص في الدين ليس موسما عابرا، بل عهدٌ يتجدّد مع كل شروق شمس.
في المساء، حين جلسنا حول مائدة الإفطار، شعرت أن اللقمة الأولى ليست خبزا ولا تمرا، بل اعترافٌ بأننا قادرون على الانتصار على أنفسنا. كانت زوجتي تبتسم، وابنتي هبة الله ترفع يديها بالدعاء، وأبنائي عبد القدوس وإلياس يضحكان ببراءة تشبه بداية العالم. في تلك اللحظة صدّقتُ أن من عبدَ الله في كلِّ الأيام، كان اللهُ له في كلِّ الأحوال. صدّقتُ أن الطاعةَ ليست انفجارَ حماسة عابرة، بل استمرارٌ هادئٌ يشبه نبضَ القلب.
لكن، وسط هذا الصفاء، تسلّل السؤالُ كظلٍّ طويل: هل نحن حقًّا مستعدّون لأن نبقى هكذا بعد أن ينطفئ الهلالُ في آخر الشهر؟. هل سنظلّ نراقب ألسنتنا حين تعود المقاهي إلى صخبها، وحين تتراكم الفواتير، وتشتدّ الخصومات؟ أم أن تقوانا مجرّدُ ضيفٍ ثقيل على النفس، نقيم له وليمةَ ثلاثين يوما ثم نودّعه بلا دمعة؟.
تذكّرتُ ما يشبه حكمةَ مفادها: أن الإنسان كائنٌ إمّا أن يتجاوزَ ذاته أو يسقطَ دونها. ونحن في رمضان نتجاوز أنفسنا فعلا، لكن المأساة تبدأ حين نعود، طوعا، إلى النسخة الأدنى من ذواتنا. فالإيمانُ الصادق لا يعرف التقويم، ولا ينتظر هلالًا ليزهر. والإخلاص أن تخافَ الله حين يغفل الناس، وأن تذكره حين ينسون، وأن تكون كما كنت في رمضان … بل أفضل.
المدينةُ في هذا الشهر قد تبدو كأنها بطلة تراجيدية في مسرحية كبرى. تصعد إلى الخشبة متوهّجة، تُصفّق لها الجماهير، تبكي، تتطهّر، وتعاهد نفسها على بداية جديدة. لكن الامتحانَ الحقيقيَّ يبدأ حين تخلو الخشبة، وتغيب الأضواء، ويعود كلُّ واحد إلى غرفته المظلمة. هناك، فقط هناك، يُقاس الصدق. فالإيمانُ الذي يزدهر في الزحام ويذبل في الخلوة يحتاج إلى مراجعة، والطاعةُ التي تنتهي بانتهاء الموسم تحتاج إلى مساءلةِ نيّة.
كنتُ أنظر اليوم إلى وجوه الناس في صلاة التراويح، فأرى في بعضها نورا حقيقيًّا، وفي بعضها الآخر خوفا من فقدان ذلك النور. فالثباتُ بعد الطاعة هو البرهان الحقيقيُّ على صدقها. ليس المهمُّ أن نبدأ بقوة، بل أن نستمرَّ بصدق؛ فربُّ رمضان هو ربُّ سائر الشهور، والقلوبُ المخلصة لا تتغيّر بتغيّر التقويم.
وفي عتمة الليل، حين هدأ كلُّ شيء، أدركتُ أن المعركة ليست مع الجوع، بل مع النسيان؛ نسيانِ العهد، ونسيان تلك اللحظات التي شعرنا فيها بأننا أقربُ إلى السماء من أيِّ وقت مضى. الإخلاص أن يكون الله مقصدنا في كلِّ خطوة، لا في لحظة خشوع عابرة؛ أن نظلَّ واقفين على باب الطاعة، ولو غاب التصفيق، ولو برد الحماس، ولو خفتت الأضواء.
رمضان ليس محطةَ نهاية، بل نقطة انطلاق؛ ليس عاطفة جماعية مؤقتة، بل تمرينا شاقًّا على أن نصير بشرا أفضل طوال العام. من عرف الله حقًّا، لم يترك بابه بعد انقضاء الشهر، ومن جعل الدين أسلوب حياة عاش مطمئنّا في كلِّ الشهور.
وهكذا، بين فرحِ البداية وخوف الاستمرار، تتشكّل مأساتنا الجميلة. نحن قادرون على الطهر … لكننا نخاف الديمومة. قادرون على الإخلاص … لكننا نرتبك حين نصير وحدنا. ومع ذلك، يبقى الأملُ قائما؛ لأن القلوب التي ذاقت طعم الصفاء مرة يصعب عليها أن ترضى بالصدأ إلى الأبد. وأعظمُ الإخلاص أن نثبتَ حين يبرد الحماس وتغيب الأضواء، وأن نجعل من كلِّ يوم بعد رمضان امتدادا لذلك الفجر الأول … فهناك، في صمت الاستمرار، يولد الإيمان الحقيقي.










