كنا أبرياء حدّ السذاجة ، كنا طيبين حتى يَحسبنا الجاهل بُلهاء ، تربينا في بيوت لم تكن تُغلَق أبوابها ، لم أعرف أن لباب بيتنا مَغاليق إلا مُتأخراً ، كانت السماحة تكسو النفوس ، والرضا يُغلّف الأرواح ، وحُسن الظن يَعمر القلوب والسرائر !! .
في مُستهل دراستي الجامعية في بداية سبعينيات القرن الماضي ، كنت أسكن في شقة مفروشة في حَيّ { الدُقي } ، وكان يُقيم معي في غرفتي واحد من أعزّ أصدقاء عمري وأحبهم إلى قلبي ، وقد جمعته قصة حب حقيقية وصادقة مع زميلته في { قسم الصحافة والترجمة } بكلية الآداب / جامعة القاهرة ، والذي تحوّل إلى معهد ثم إلى كلية الإعلام فيما بعد !! .
واتفقا على الزواج فور تخرجهما في الجامعة ، ثم نشب خلاف حاد بينهما كاد أن يقضي على هذا الحب الطاهر العفيف ، فلجأت هيّ إلىّ ثقةً منها في مدى تأثيري على صديقي الحبيب ، وتواعدنا أن نلتقي في { حديقة الأورمان } المقابلة للجامعة ، وفور أن جلسنا راحت في نوبة بُكاء حار أغرقت دموعها منديلها الصغير ، فأخرجت أنا منديلي الذي يشبه ملاءة السرير من جيبي ، وقدمته إليها ، وإذا بالأرض تنشق عن عسكري ضخم الجثة ، عظيم الشارب ، يُمسك في يده جهاز اتصال لاسلكي ، وأشار إلينا غاضباً وقال : ( إنتم بتعملوا إيه هنا ، ومين دي يا كابتن ) ، وحاولت أن أشرح له الأمر وأنا أتلعثم وأرتجف ، لكنه كان لايسمع إلا نفسه ، فقال كمَن يبرر ما قرره : ( دموع ، ومناديل ، دا انت ياخويا ناقص تأخدها في حُضنك ، ياللا على القسم ) !!
وفي القسم جلسنا قُبالة ضابط شاب ، وكنت أرتجف وأنتفض كعصفور تحت المطر ، وأنا الذي كنت أتصدر المظاهرات التي تهاجم حتى رأس الدولة نفسه ، لكنني لا أحتمل اتهامي في أخلاقي أبداً ، كما أنني كنت مَهموماً جداً بمشاعرها وارتعابها من تطورات الموقف إلى الأسوأ لاقدر الله !! .
ووبخني الضابط حين علم بحقيقة القصة ، وبخني على سذاجتي وبراءتي ؛ فقد كان يمكننا التلاقي علي إحدى كافتريات الجامعة ، كما كانت { بريزة } أدسها في جيب هذ العسكري كفيلة بأن يتحول إلى حارس لنا !! .
لكنها البراءة ، وحُسن الظن الذي كان سِمةً تكسو المجتمع كله ، وقبل أن تضربه رياح دخيلة علينا ، زرعت فيه سوء الظن ، والشُبهات ، والشك والارتياب ، فباتت الناس تتوجس من بعضها ، وانعدمت المروءة والشهامة ، ومات الكرم ، وانتحر الخجل ، ولم يعد أحد يُصدق أحداً ولا يثق به ولا يأمن له ، فكلُ تواصل بين رجل وامرأة هو علاقة آثمة ، والشباب ذئاب مُفترسة ، والفتيات شِياة مُستباحة ، فتم الفصل بين الجِنسين حتى في المدارس الابتدائية ، ومُنع الاختلاط وهو المباح في المسجد الحرام ، وكفروا مُصافحة المرأة ، بينما أباحوا إرضاعها لزميلها في العمل !! .
وكلما تمعنت في اللوحة النفسية للمجتمع المصري غمرني حُزن عميق ، وغرقت روحي في موجة أسى وأسف ، وتردد في أعماقي صوّتٌ جنائزيّ يقول : « ليه يازمان ماسبتناش أبرياء » !! .










