الإخبارية وكالات
لم يعد الحديث عن سفن الأجيال حكرًا على أفلام الخيال العلمي، إذ يقدّم مشروع «كريساليس» تصورًا هندسيًا طموحًا لمركبة فضائية عملاقة بطول 58 كيلومترًا، صُممت لنقل البشر في رحلة بين نجمية تمتد لأربعة قرون. وقد حاز المشروع على جائزة في مسابقة دولية عام 2025، باعتباره أحد أكثر المفاهيم المستقبلية واقعية لسفر الإنسان خارج النظام الشمسي.
تهدف المركبة إلى احتضان نحو 2400 شخص يعيشون على متنها عبر 16 جيلًا متعاقبًا، حيث سيغادر الركاب كوكب الأرض دون أن يشهد معظمهم وجهتهم النهائية، بينما يتولى أحفادهم استكمال الرحلة والوصول إلى الهدف البعيد.
الجاذبية الاصطناعية… تحدٍ هندسي معقد
يشكّل توفير بيئة معيشية مستقرة أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع، وعلى رأسها توليد جاذبية اصطناعية مناسبة. فالبقاء لفترات طويلة في حالة انعدام الوزن يعرّض الإنسان لمخاطر صحية جسيمة، في حين تشير الدراسات إلى أن سرعة دوران الموائل الفضائية إذا تجاوزت دورتين في الدقيقة قد تتسبب في الشعور بالدوار.
ولتحقيق جاذبية تعادل نحو 90% من جاذبية الأرض دون تجاوز هذا الحد، صُممت «كريساليس» على هيئة أسطوانات متداخلة تدور في اتجاهين متعاكسين، ما يقلل من الإجهادات الهيكلية الناتجة عن الدوران المستمر. كما وُضعت وحدة السكن الرئيسية في مقدمة مدببة للحد من مخاطر الاصطدام بالحطام الكوني خلال مراحل التسارع والتباطؤ.
البناء في الفضاء بدلًا من الأرض
نظرًا لضخامة حجم المركبة، لا توجد حاليًا منشآت أو أنظمة إطلاق قادرة على تجميعها أو نقل مكوناتها من سطح الأرض. لذا يفترض المشروع إنشاء السفينة في إحدى نقاط لاغرانج، وهي مناطق مستقرة جاذبيًا في الفضاء تتيح تثبيت الهياكل الضخمة مع استهلاك محدود للطاقة.
الاندماج النووي… أمل لم يتحقق بعد
يعتمد المشروع على مفاعل اندماج نووي مباشر يعمل بخليط من الهيليوم-3 والديوتيريوم لتوليد الطاقة والدفع. إلا أن هذا الطموح يصطدم بواقع علمي يتمثل في عدم نجاح البشرية حتى أوائل عام 2026 في تشغيل مفاعل اندماج عملي لإنتاج الكهرباء على الأرض، فضلًا عن استخدامه لدفع مركبة فضائية.
كما يتطلب تشغيل مثل هذا النظام في الفضاء تجهيزات تبريد هائلة، ودروعًا إشعاعية قادرة على الصمود لقرون، إلى جانب إمكانية صيانة مفاعل عالي الخطورة في بيئة معزولة بالكامل.
نظام بيئي مغلق لقرون من الزمن
لن تقتصر التحديات على الدفع والطاقة، بل تمتد إلى ضمان استمرارية الحياة اليومية داخل نظام بيئي مغلق. إذ يتعين على «كريساليس» إعادة تدوير الماء والهواء بالكامل، وإنتاج الغذاء داخليًا عبر وحدات زراعية متكاملة.
ورغم نجاح التجارب على متن محطة الفضاء الدولية في إعادة تدوير ما يقارب 98% من المياه، فإنها لا تزال تعتمد على إمدادات مستمرة من الأرض. كما أظهرت تجارب أرضية مثل «بيوسفير 2» مدى هشاشة الأنظمة البيئية المغلقة، ما يجعل الحفاظ على استقرارها لمئات السنين تحديًا علميًا غير مسبوق.
مجتمع يولد ويعيش في العزلة
يتجاوز المشروع الجوانب التقنية ليشمل التحديات الاجتماعية والنفسية لمجتمع سيعيش معزولًا تمامًا عبر أجيال متعاقبة. ويقترح القائمون عليه اختيار الطاقم وفق معايير نفسية مستوحاة من تجارب العزلة الطويلة في محطات القطب الجنوبي، إلى جانب اعتماد نظام تربية مجتمعي للأطفال، وإدارة النمو السكاني من خلال المباعدة الطوعية بين الولادات.
كما ستعتمد الحوكمة على نماذج لاتخاذ القرار مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع أنظمة مخصصة للحفاظ على المعرفة التقنية والثقافية ومنع ضياعها عبر الزمن.
طريق النجوم يبدأ بسد الفجوات
لا تمثل وثائق «كريساليس» مجرد مخطط لبناء مركبة فضائية، بل خارطة طريق تسلط الضوء على الفجوات العلمية والهندسية والاجتماعية التي لا تزال تفصل البشرية عن تحقيق السفر بين النجوم. وبين الطموح والواقع، يبقى الوصول إلى تلك المرحلة مرهونًا بتقدم تقني ومعرفي لم يتحقق بعد.










