ماضَرَّ أبي لو لم يقرأ كتاب الأخ ابراهيم عيسي ( القَتَلَة الأوائل ) واعتماده علي الروايات المغلوطة والمشبوهة والمغشوشة في تشويه الصحابة وتبرير ما ترتكبه داعش وغيرها من حماقات وتوحش !!.
وما ضَرَّه لولم يسمع إسلام البحيري وهو يسب السلف ، ويتوعد التراث بحرقه ووضعه تحت حذائه !!.
وماضَرَّ أبي لو لم يلتق بالأخ سيد القمني ، وشاهده وهو يسخر من الله جلا شأنه ، وينعته بما لايليق ، ويستهزئ بعصا موسي وبالجنة ونعيمها وبالأرائك والحور العين وأنهار العسل والخمر واللبن ، وبما لايفهم مدلوله اللغوي والبلاغي ، فراح يتعامل مع النص بجمود وتجريد مُخل ومختل وفاسد !!.
ماضَرَّه لو لم يعرف حسن البنا ولا سيد قطب ولا المودودي ولا البغدادي ولا بن لادن ولا تلك الجوقة المُجرمة التي أفسدت الدين والدنيا معاً !!.
ماضَرَّه لو لم يقرأ شحرور وغيره ولا استمع لهم ، ولا عرف شيئاً عن مَعاركهم العبثية !!.
ماضَرَّه لو لم يعرف الشيعة والمعتزلة والأشاعرة والخوارج والظاهرية والباطنية ولا انشغل بهم ، هؤلاء الذين فرقوا الأمة وأشعلوا بينها نيران العداوة والتشاحن !!.
هل ينقص إسلامه شئ !!.
لقد كان أبي فِقهاً يمشي علي الأرض ، وكنت أغبطه ، بل أحسده !!.
لم يكن بحاجة إلى فذلكات وفلسفات ، وخوض في لُجة مَحمومة التيار ، مُتخبطة في معارك طاحنة حول كلمة أو حديث مكذوب أو آية مُختلَقة !!.
عرف الإسلام البسيط التلقائي السهل ، الذي يشبه الماء ؛ لالون له ولا طعم ولا رائحة ، ولكنه يرويك ، ولا تستغني عنه مهما شربت من عصائر ومشروبات بديلة !!.
الدين عند أبي كان عقيدة ، عقيدة نصفها نفيّ ، ونصفها إثبات ، ( لا إله ) ؛ لا الشجر ولا الحجر ولا القمر ولا البقر آلهة ، ( إلا الله ) ، فما هو الله ، ليس كمثله شئ ، ثم العبادات ، صلاة وصيام وزكاة وحج ، ثم المعاملات حفظ العقود والعهود والأمانات ، ثم الأخلاق الصدق والرحمة وإغاثة الملهوف والمروءة والعطف علي الفقير واليتيم !!.
لم يكن أبي في حاجة إلى معرفة الفتنة الكبري ، ومعركة الجمل ، وخلاف عائشة وعليّ ، ثم فجيعة كربلاء ، ولانقص دينه لعدم معرفة ذلك !!.
لم يكن في حاجة إلى معرفة مادار في سقيفة بني ساعدة ، وخلاف الصحابة حول الخلافة ، وأيضاً لم ينقص دينه لعدم معرفة ذلك !!.
مارس أبي الدين في يسر عجيب ، القاعدة عنده هي الحلال ، أما الحرام قليل ونادر يعرفه بفطرته السوية ويتجنب الوقوع فيه !!.
حافظ علي صلواته لوقتها ، حتي يوم أن ماتت أختي ذات الثلاثين ربيعاً قام فصلي العشاء ، إحدي عشرة ركعة كما اعتاد لعشرات السنين ، وكأنما كان يسكب شلال حزنه بين يدي الله !!.
كان دائم الابتسام بشوشاً سمحاً مسالماً حنوناً ؛ ماسمعته قط يسب أحداً ولا يهجو أحداً ، ولا يتلفظ بلفظ جارح ، ولم يلوث فمه بغيبة أو نميمة وإنما هو دائم التسبيح والتهجد والتبتل ، يمر باللغو كريماً ويعرض عن الجاهلين ، وإذا خاطبوه قال سلاما !!.
دؤوب علي ختم القرآن الكريم كل أسبوع ، دون أن يشعر به أحد منا ودون ادعاء ولا مزايدة !!.
يجالس النساء ويصافحهن ، ويبش في وجوههن ويستمع إليهن في صبر وأناة ، ويحيطهن باحترام وتقدير وحنو بالغ ، أما علاقته بأمي فكانت سيمفونية من التوقير والحب والإيثار المُتبادل !!.
كان إسلام أبي هو ذاك الإسلام الذي قصده الامام محمد عبده حين دعا قائلاً : ( اللهم ارزقني إيماناً كإيمان العَوام ) !!.
إسلام أبي كان إسلام حياة ، لا سياسة فيه ولا اقتصاد ولا فيزياء ولا كيمياء ولا فلسفات تفسده ولا جدليات عقيمة تأخذ أصحابها وتهبط بهم إلى القاع ، وتدخل بهم إلى فوهة دائرة جهنمية لا يخرجون منها إلا هالكين !!.
فأني لي اليوم بإسلام مثل إسلام أبي !!.










