إنتاج جمعية الستار للإبداع المسرحي
على هذا الركح يتداخل العرض المسرحي، والفني والإنساني، والذاتي والموضوعي ويتفجّر نص يكسر المألوف، يراهن على البوح والاعتراف، يراوغ الزيف ويراقص الحقيقة على أعتاب المرارة.
كل محاولة للحوار تُجهضها مقاطعة حادّة تعرّي شيئا فشيئا هشاشة الشخصيات وتتهاوى الأقنعة واحدا تلو الآخر على إيقاع هزلي تنسجها اللغة على مهل.
لغة النص تجمع بين التصريح والتلميح، بين إسقاطات تحيل إلى عالم الفنّ وأدرانه، وإشارات تنفتح على وجع الذات واعترافاتها، مع نفحات من المباشرتية المربكة والمستفزة أحيانا.
في النص انسياب يجعل الكلام متذبذبا بين الهزل والجدّ، بين قوالب جاهزة مألوفة وبين جمل مشحونة بصدق موجع، تماما كما لو أنّ الكلمة سقطت من علوّ شاهق لتستقرّ في قلب المتفرّج عارية من أي زينة.
فالاعتراف يتخذ صيغة المباشرة ويتوارى، أيضا، خلف استعارات وصور، كأنّ النص نفسه يمارس سقوطا حرا من اللغة إلى المعنى، من القول المألوف إلى البوح الذي يعرّي.
هذا البوح يتجلى في الأداء الصوتي لكل من الذي يشكل بدوره لب المسرحية حيث تبدو الحروف وكأنها تتسرب من جرح عميق.
لكن هذا الأداء يشوبه أحيانا بعض النظرات وربما يعود ذلك إلى بعض التي رافقت العرض ولكنها لم تؤثر بقدر كبير على التلوين في الصوت، من همس يشي بالخوف وانفجار نبرة مشبعة بالوجع.
الصوت يلاعب المعنى ويعري ما تحاول الملامح إخفاءه، ويجعل الاعتراف مدويا وتتحول الكلمة إلى مشرط يجرح الذات لعلها حينما تنزف وتتألم تغادر دائرة الإنكار وتتجاوز حالة الرضوخ.
“السقوط”، ليس عنوان العرض فقط، بل فلسفته ؛ أن تلقي بنفسك في الفراغ دون إيذان، أن تواجه الحقيقة كما هي دون وسائط ولا أقنعة، أن ترى نفسك بلا تزييف.
السقوط في هذه الحالة ليس رديف الانحدار في تأويل سطحي ولا الموت في تأويل أعمق، بل هو ترفع ونأي بالنفس عن المكان الذي يقيّدها، عن السياقات الاجتماعية الضيقة، والقوالب الفنية الجاهزة.
كيف تكون قناعاً، ويصبح في لحظة ما بوصلة لكشف الحقيقة؟ تتساءل على وقع مواجهة الفنان لذاته أمام الجمهور وهو حين يُسقط أقنعته عنوة يقحمه في التجربة ذاتها.
“السقوط” لا ينتهي عند انطفاء الأضواء، بل يبدأ عندها، لأنّ المتفرّج يخرج وهو مثقل بأسئلة مغمورة بالنكران المزمن ويعيش حالة الارتطام الخاصة به في مواجهة مساراته وخياراته.










