منذ أكثر من ألف عام، يقف الأزهر شاهدًا على تحولات الدولة والمجتمع والفكر، لا بوصفه مجرد مسجد أو جامعة، بل باعتباره مؤسسة معرفية ممتدة في الزمن، أعادت تعريف علاقتها بالسلطة والعلم والجمهور مرارًا دون أن تفقد هويتها المركزية كمرجعية سنية كبرى في العالم الإسلامي.
من الجامع إلى الجامعة
تأسس الأزهر في القرن العاشر الميلادي، لكنه عبر القرون تجاوز وظيفته التعبدية ليصبح مركزًا للتدريس والإفتاء وتخريج العلماء. وفي عام 1961، ومع صدور قانون إعادة تنظيم الأزهر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، دخلت المؤسسة مرحلة جديدة بإدماج كليات مدنية — كالطب والهندسة والعلوم — ضمن بنيته الأكاديمية.
هذا التحول لم يكن شكليًا؛ بل مثّل إعادة صياغة لدور الأزهر في الدولة الوطنية الحديثة. فقد انتقل من مؤسسة تعليم ديني تقليدي إلى جامعة شاملة تجمع بين الدراسات الشرعية والعلوم التطبيقية، في محاولة لدمج المرجعية الدينية بالمعرفة المعاصرة.
القوة الناعمة وبناء المكانة
لم يكن انتشار الطلاب الوافدين إلى الأزهر ظاهرة عابرة، بل كان جزءًا من شبكة تأثير ثقافي ممتدة إلى إفريقيا وآسيا. وقد شكّل الأزهر، لعقود، قناةً رئيسية للتواصل العلمي والدعوي بين مصر والعالم الإسلامي، على نحو يوازي — في سياقه الحضاري — المكانة التي تمثلها جامعات أوروبية عريقة مثل جامعة أكسفورد أو جامعة السوربون في فضائها الثقافي.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الأزهر يحمل رسالة دينية صريحة، وهو ما يضعه دائمًا أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على مرجعيته العقدية وفي الوقت ذاته يلتزم بالمعايير الأكاديمية العالمية في البحث والتدريس؟
بين الهوية والانفتاح
تؤكد الأدبيات الأكاديمية أن الجامعة الحديثة كيان تعليمي وبحثي يقوم على الحياد المنهجي وتكافؤ الفرص. وفي المقابل، يقوم الأزهر — بحكم طبيعته — على هوية دينية واضحة. هذا التداخل بين المرجعية الإيمانية والإطار المؤسسي الحديث هو جوهر التحدي.
ففي كلياته العملية، كطب الأزهر وهندسته، تخضع المناهج لمعايير علمية مماثلة لنظيراتها في الجامعات المصرية، وعلى رأسها جامعة القاهرة. أما في كلياته الشرعية، فالمعيار المعرفي يرتبط بتكوين الفقيه والداعية والباحث في علوم الشريعة.
السؤال إذن ليس: هل الأزهر ديني أم أكاديمي؟
بل: كيف يمكن لمؤسسة ذات رسالة إيمانية أن تُنتج معرفة معاصرة منضبطة دون أن تنفصل عن جذورها؟
الأزهر كمرجعية وسطية
في العقود الأخيرة، برز دور الأزهر في مواجهة التطرف الديني، وتأكيد خطاب “الوسطية” بوصفه منهجًا تأصيليًا لا شعارًا سياسيًا. وقد تحوّل إلى منصة حوار مع الكنائس والمؤسسات الدينية العالمية، ساعيًا إلى ترسيخ مفاهيم التعايش والسلام.
هذا الدور يعيد للأزهر صورته التاريخية كمركز إشعاع، لا باعتباره سلطة دينية مغلقة، بل باعتباره فضاءً للاجتهاد المنضبط.
خلاصة الرؤية
الأزهر ليس مبنىً ولا لافتةً ولا مجرد قانون تنظيمي. إنه ذاكرة فقهية ممتدة، ومدرسة عقلية تشكلت عبر قرون. قوته لم تكن يومًا في السلطة السياسية، بل في الثقة الرمزية التي منحها له طلابه وعلماؤه وجمهوره.
يبقى التحدي المعاصر أمام هذه المنارة العريقة هو تعميق البحث العلمي، وتوسيع دوائر الانفتاح الأكاديمي، وتعزيز استقلال القرار العلمي؛ بحيث يظل الأزهر — في القرن الحادي والعشرين — منارةً لا تُطفأ، تجمع بين النص والعقل، بين التراث والحداثة، بين الإيمان والعلم.
فحين ينجح الأزهر في هذه المعادلة، لا يكون فقط جامعةً كبرى، بل يكون — كما كان عبر العصور — ضميرًا علميًا للأمة، ومنارةً للعالم.










