يا دكتور،
تظنني منكسراً
كغصنٍ هده التعب،
أو كعابرِ دربٍ
أضاع خطاه
حين داهمته الانتكاسة
وأحاطت به الحيرة.
لكنني ـ وإن صمتُّ ـ
لستُ ركاماً،
ولستُ وجعاً بلا قيام،
أنا ثابتٌ
مثل الأرض
لا يزعزعها زلزال،
ولا تهزها ريحُ الظنون
إذا تكاثرت
واشتدّ السؤال.
ترى تواضعي خوفاً؟
وتحسب صمتي انطفاءً؟
وهل صار خفضُ الجناح
في زمن القسوة
نوعاً من الاتهام؟
وهل صار نقاءُ القلب
تهمةً،
وصبرُ المؤمن
إرهاباً يُقال؟
ومقالك
كل دقيقةٍ
يصنع من الشكِّ مرآة،
ويفتّش في الوجوه
عن كسرٍ
وعن رعشةٍ
وعن اعترافٍ بالمحال.
لكنني يا دكتور،
ما انحنيتُ
إلا لربٍّ واحد،
وما مددتُ قلبي
إلا لوجه الله
حين يضيق المقام،
فدعني،
واتركني
في قلبٍ يسكن فيه ربُّ العالمين،
قلبٍ لا يُشرك حبَّه،
ولا يبيع يقينه،
ولا يفتح للريبة باباً
ولا للزيف مجال.
اتركني
أمضي إلى وطني
كما يمضي الضوء
إلى نافذته الأولى،
فهذا وطنٌ
نطلب رضاه
ولو كان في دربه الجمر،
ولو سرنا إليه
حفاةَ الروح
نحمل في الصدر
حلماً
وفي العين
من الإخلاص
قنديلاً
ومن الصبر
نِبراساً.
اتركني ووطني،
فبيني وبينه
عهدُ ترابٍ
لا يخون،
وعهدُ نيلٍ
إذا ضاقت الدنيا
يمنح الروح اتساعاً
ويغسل الحزن
غسلاً جميلاً
ويزرع في القلب
ألفَ احتمال.
اتركني وربي،
فالله لا يملّ
ولا يكلّ
من عبدٍ
أوجعته الدنيا
فقال: حسبي الله،
ولا يملّ
من قلبٍ
كلما اشتدت عليه العواصف
عاد إليه
أكثر صفاءً
وأشدَّ اتصالاً.
أنا باقٍ
كما أنا،
مصريًّا
قد يبدو مسكيناً
في عيون من لا يرون
غير الصخب والقوة والجدال،
لكن في ضعفي سترٌ من الله،
وفي فقري غنىً به،
وفي بساطتي
سرٌّ
لا يعرفه
إلا من ذاق
معنى الاحتمال.
فدع عنك
تفسير ملامحي
كما تشاء،
ودع عنك
إقامة الأحكام
على ظلالي،
فما كل هدوءٍ هزيمة،
وما كل دمعةٍ سقوط،
وما كل من تأخر
خسر السباق،
فبعض الذين يسيرون ببطء
يحملون في أرواحهم
ثبات الجبال.
يا دكتور نحراوي،
اتركني،
فإن لي ربًّا
إذا ضاقت الأرض
وسعني،
وإن تكاثرت الظنون
نجاني،
وإن وقف العالم
يضيق بي
فتح لي من رحمته
باباً
ومن لطفه
آفاقاً
ومن نوره
سبيلاً
لا يضل
ولا يُزال.









