من أهم الدروس التي تكشف عنها الحرب الحالية بين إيران وأمريكا وإسرائيل أن القواعد العسكرية الأمريكية لم ولن توفر الحماية للدول التي تتواجد فيها، وإنما هي في الواقع عبء على تلك الدول، وثغرة في جدار أمنها القومي، وهذا ما تنبهت إليه الدولة المصرية مبكرا حين رفضت كل الدعوات والمبررات لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، وأصرت طوال تاريخها على أن تتولى حماية نفسها بنفسها، وأن يكون القرار الخاص بأمنها القومي في يدها وحدها.
لقد جلبت القواعد العسكرية الأمريكية الوبال على أشقائنا في دول الخليج، وجعلت منهم هدفا للصوارخ الإيرانية ردا على ما أشيع من مزاعم حول انطلاق طائرات وصواريخ أمريكية من تلك القواعد باتجاه إيران، أو تصدي الدفاعات الجوية والأرضية المرابطة في القواعد للصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل، أو حتى عبور صواريخ وطائرات أمريكية وإسرائيلية أجواء هذه الدول وهي في طريقها إلى إيران.
المهم أن القواعد العسكرية الأمريكية رغم ما دفع لها من مليارات الدولارات وما قدم لها من تسهيلات، لم تضمن الحماية للدول التي أقيمت على أراضيها، بل على العكس قدمت لإيران مبررا ـ ولو شكليا ـ لاستهدافها، واستهداف مناطق أخرى غير عسكرية، وكانت ذريعة لإقحام دول الخليج والعراق والأردن في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بزعم أن الأراضي المقام عليها تلك القواعد أصبحت أرضا أمريكية مثل أراضي السفارات، وبالتالي صارت هدفا عسكريا سهلا أمام إيران التي تبحث عن أهداف أمريكية قريبة منها.
وفي السنوات القليلة الماضية تعرضت السعودية وقطر والإمارات والبحرين والعراق لاعتداءات عديدة من قبل إسرائيل وإيران والحوثيين رغم وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، فلم تردع القواعد المعتدي، أو حتى ترد عليه، وإذن فما الداعي لاستمرار هذه القواعد غير المفيدة ذات الكلفة الباهظة جدا، ماليا وأمنيا؟
في مداخلة مع قناة (بي بي سي عربي) البريطانية الثلاثاء الماضي قال الصحفي العماني البارز سالم الجهوري إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضغط على دول الخليج لتدفع له 2.5 تريليون دولار تكاليف الأسبوعين الأول والثاني من الحرب الحالية على إيران، وإن دول الخليج التي وجدت نفسها في مرمى النيران صارت تتململ من سياسات ترامب وطلباته، وأنها ستعيد النظر في علاقاتها مع واشنطن بعد الحرب.
والحقيقة أن طلب ترامب هذا ـ إن كان صحيحا ـ يمثل قمة السخف والاستخفاف التي بلغتها علاقة ترامب مع دول الخليج، فالعالم كله يعرف أن الحرب الدائرة حاليا على إيران لا تخص الدول الخليجية، وإنما هي حرب إسرائيل بالأساس، بل حرب نتنياهو تحديدا، وأنه هو وفريقه اليميني المتطرف من جروا ترامب إليها صاغرا، وأن إيران بشهادة الوسيط العماني ووزيرة الخارجية البريطانية التي حضرت جلسة المفاوضات الأخيرة في جنيف قدمت عرضا جيدا كان كافيا لعقد اتفاق جديد مع الأمريكيين حول برنامجها النووي، لكن الواضح أن النية كانت مبيتة للحرب لتحقيق أهداف إسرائيلية لاعلاقة لها بالمفاوضات النووية ولا بالمصالح الأمريكية، ولهذا السبب رفض حلفاء ترامب حول العالم دعواته للمشاركة في الحرب، أو إرسال قوات بحرية لفتح مضيق هرمز، ووصفوا الحرب بأنها عشوائية غير قانونية.
لقد دفع العالم، ومازال يدفع فاتورة مغامرة نتنياهو وترامب الرعناء، ودفعت دول الخليج ومازالت تدفع الجانب الأكبر والأخطر من هذه الفاتورة، وعاشت أياما وليالي تحت النيران دون أن تحميها القواعد العسكرية الأمريكية، بل كانت القواعد سببا مباشرا لمعاناتها، وقد بذل ترامب ونتنياهو جهودا كبيرة لتوريط دول الخليج في الحرب كي تحمي نفسها وتحمي القواعد، ووصل الأمر بأن تضرب المقاتلات الإسرائيلية تلك الدول كي تتهم إيران بمهاجمتها، وتجرها إلى أتون الحرب.










