يا أبي…
أخاطبك الآن بلسانٍ مُثقلٍ بالشوق، وبقلبٍ أنهكته الحياة من بعدك، كأنني أُحدّث ظلك الساكن في أعماقي، أو أستنطق الغياب لعلّه يردّ إليّ شيئًا منك…
— أبي، أما زلت تسمعني؟!
لقد تعلّمتُ بعدك ما لم تُعلّمني إيّاه الحياة في حضرتك؛
تعلّمتُ أن الدنيا إذا خلت من سندٍ كأنت، غدت طريقًا موحشًا، تتعثر فيه الخطى، وتضيع فيه الملامح.
— يا أبي…
لم تخبرني أن القلوب قد تنقلب في غفلةٍ من الوفاء،
وأن الوجوه التي نُحسن الظنّ بها، قد تُخفي من الخذلان ما يعصف بالروح،
ولم تقل لي إن الوعود قد تُنقض كأنها لم تُعقد يومًا.
— أتعلم يا أبي؟
كنتُ أرى العالم بعينيك، صافياً، رحيماً، مأهولاً بالخير،
فلما غبتَ، تبدّلت الصور، وانكشف لي من قسوة الواقع ما لم أكن أطيق تصوّره،
فكأن رحيلك لم يكن فقدًا لك وحدك… بل فقدًا للأمان كلّه.
— أشتاقك في مواطن الضعف…
حين تتكاثر عليّ الخطوب، وتضيق بي السُبل،
فلا أجد صدراً يتّسع لوجعي كما كان صدرك،
ولا كلمة تُرمّم انكساري كما كانت كلماتك.
— أبي…
كيف كنتَ تقرأ صمتي؟
وكيف كنتَ تلمح كسري قبل أن أبوح به؟
لقد تركتني في عالمٍ لا يُجيد الإصغاء، ولا يُحسن فهم القلوب.
— يا أبي…
كبرتُ بعدك، لكنني ما برحتُ ذاك الطفل الذي كان يلوذ بك من كل خوف،
أُخفي تعبي خلف ملامح الصبر، وأتماسك بما بقي من وصاياك،
غير أن في داخلي حنينًا يصرخ، ووحدةً لا يبدّدها إلا طيفك.
— أحادثك في خلواتي…
أبثّك همومي، وأقصّ عليك تفاصيل أيامي،
وأُصغي في صمتٍ عميق، كأنني أنتظر جوابًا يأتي من الغيب،
فإذا بسكينةٍ خفيّةٍ تنساب في روحي… كأنها بقايا دعائك الذي لم ينقطع.
— أبي… سامح ضعفي إن بان،
فقد كنتَ جدار احتمالي، وركن ثباتي،
وما زلتُ أحاول، رغم كل الانكسارات، أن أكون كما أردتني…
صلبًا في وجه العواصف، نقيًّا رغم غبار الحياة.
— أطمئنك يا أبي…
ما زلتُ على العهد،
أحمل اسمك في قلبي لا على لساني فقط،
وأجتهد أن أكون امتدادًا لما غرستَه فيّ من خير.
— لكن…
لا تبرحني يا أبي،
كن دعائي الصاعد إليك، وكن طمأنينتي النازلة عليّ،
فأنا، منذ أن غبتَ…
أُجاهد الحياة بقلبٍ ينقصه أنت.
رحمك الله رحمةً واسعة،
وجعل لك في كل دعوةٍ مني نورًا،
كما كنتَ لي نورًا لا ينطفئ… حتى بعد الرحيل.










