مِرْوَس… ذاك الذي ظنّ أن الأفلاكَ تدور في فلكِه، وأن الضوء لا يشرقُ إلا حين يمرّ على عتباته. كان يلبسُ الجهلَ ثوبَ المعرفة، فيغدو بين الناس مثقفًا في زعمه، بينما هو خواءٌ مزخرف، يرنّ صوته إذا قُرِع، ولا يُمسك منه معنى.
كان يتقن فنّ الاصطفاء… لا للأفكار، بل للمصالح. يُهادنها، يربّت على كتفها، ويجعل منها بوصلته الوحيدة، حيث لا اتجاه إلا حيث تُشير المنفعة. يبيع الأوهام كما تُباع العطور الرخيصة: روائحها فواحة في اللحظة الأولى، ثم لا تلبث أن تنقلب خيبةً ثقيلة.
وفي ردهات شركة “الذهب الأسود”، كان مِرْوَس ملك الرجاء الكاذب؛ يستقبل القادمين بوجهٍ يُشبه الفجر، ويودّعهم بليلٍ لا قمر فيه. ينسج لهم من الكلمات جسورًا إلى مستقبلٍ واعد، ثم يتركهم معلقين فوق فراغٍ لا قرار له.
ملفاتٌ تتكدّس بين يديه، لا تحمل أسماءً بقدر ما تحمل قلوبًا مُعلّقة… أحلامًا كُتبت بحبر الانتظار، وخُتمت بخاتم الوهم.
كان يفتحها بنوعٍ من الطقوس الصامتة، يقلب صفحاتها كما لو كان يقرأ مصائر أصحابها، ثم يطويها ببرودٍ مميت، ويُلقي بها في أرشيفٍ لا يختلف كثيرًا عن مقبرةٍ للأماني. هناك، حيث تُدفن الفرص قبل أن تولد، وتُطفأ الأمنيات قبل أن تتوهج.
ولم يكن مِرْوَس يرى في ذلك ذنبًا… بل مهارة. كان يعتقد أنه يُحسن اللعب في رقعة الحياة، وأن الآخرين ليسوا سوى قطعٍ تُحرَّك لتكتمل صورته هو.
لكن ما لم يدركه، أن من يُكثرُ من بيع الوهم، ينتهي يومًا زبونًا دائمًا له… وأن المرآة التي طالما تجنّب النظر فيها، ستُجبره ذات مساءٍ على رؤية حقيقته عارية:
رجلٌ لم يكن يملك من الضوء شيئًا، سوى ظلّه.
الجزائر










