لم يعد المشاركة المجتمعية مجرد شعار برفع فى المؤتمرات أو عبارة براقة تتردد فى خطط التنمية بل أصبحت اليوم حجر الاساس لا تنمية حضرية حقيقية تسعى الى الاستدامة والعدالة فى عالم تتسارع فيه التحويلات العمرانية , لم يعد مقبولا أن تبنى المدن بمعزل عن سكانها او ان تفرض السياسات من أعلى دون إشراك من سيتأثرون بها فى الواقع
أن جوهر التنمية الحضرية لا يكمن فقط فى إنشاء الطرق والكبارى أو تشييد الأبراج الحديثة بل فى بناء إنسان واع يشعر بأن له دورا وصوتا فى تشكيل بئيته فالمواطن لم يعد مجرد متلق للخدمات بل شريك اصيل فى تحديد الاولويات ورصد المشكلات واقتراح الحلول وهنا تتحول المشاركة المجتمعية من مفهوم نظرى الى ممارسة حقيقية تعزز الانتماء وتدعم الاستقرار .
التجارب العالمية اثبتت ان المدن التى تبنت نهج المشاركة المجتمعية كانت الأكثر قدرة على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة فعندما يشارك المواطن فى التخطيط يصبح اكثر حرصا على الحفاظ على ماتم انجازه وتزداد ثقته فى مؤسسات الدولة مما يقلل من فجوة عدم الثقة التى تعانى منها كثير من المجتمعات ,
وفى المقابل فإن غياب المشاركة المجتمعية يؤدى الى قرارات قد تبدو ناجحة على الورق لكنها تصطدم برفض مجتمعى أو تفشل فى تحقيق أهدافها على أرض الواقع ,
فكم من مشروعات تم تنفيذها دون دراسة حقيقية لإحتياجات الناس فتحولت الى أعباء بدلا أن تكون حلولا.
المشاركة المجتمعية ايضا أداة فعالة لإكتشاف الطاقات الكامنة داخل المجتمع فبين المواطنين خبرات وأفكار قد لا تتوفر داخل المؤسسات الرسمية وأتاحة الفرصة لهم للتعبير والمساهمة يخلق بيئة ابتكار حقيقية تدعم خطط التنمية .
لكن تحقيق مشاركة مجتمعية فعالة يتطلب إرادة حقيقية وأليات واضحة تضمن سماع صوت المواطن بجدية وليس بشكل شكلى كما يتطلب نشر ثقافة الوعى والمسؤولية حتى يدرك كل فرد أن المشاركة ليست فقط حقا بل واجبا ايضا
وفى مصر ومع ماتشهده من مشروعات قومية وتوسع عمرانى غير مسبوق تبرز اهمية تفعيل المشاركة المجتمعية كأحد أعمدة النجاح فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الانفاق أو عدد المشروعات بل بمدى تأثيرها الايجابى على حياة المواطنين وشعورهم بأنهم جزء من هذا التحول
وفى النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن المدن لا تبنى بالحجر وحده بل تبنى بالانسان وان التنمية الحقيقية لا تقاس بإرتفاع الابراج واتساع الطرق بل بمدى شعور المواطن بإنه شريك فى هذا البناء لا مجرد متفرج عليه
فحين يفتح المجال للمشاركة تتحول الخطط الى واقع قابل للحياة وتتحول المشروعات الى قصص نجاح يعيشها الناس لا أرقام تعلن فى التقارير
وحين يستمع لصوت المجتمع بصدق تصبح التنمية أكثر عدلا وأكثر استدامة وأكثر قدرة على البقاء
فالمعادلة بسيطة لكنها حاسمة
لا تنمية بلا مشاركة ولا استقرار بلا ثقة ولا مستقبل حقيقى يبنى دون انسان يشعر بإنه جزء منه .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










