في لحظةٍ ما، قد تبدو الحياة وكأنها فقدت معناها…
ليس لأن العالم تغيّر، بل لأن الإنسان من داخله انكسر بصمت.
الانتحار ليس قرارًا مفاجئًا كما يظنه البعض، بل هو تراكم صامت لآلامٍ لم تجد من يُنصت إليها، وصراع داخلي بين الرغبة في النجاة والعجز عن الاستمرار. إنه – في جوهره – محاولة للهروب، لكنه هروب من نوع خاص… هروب سلبي، لا يواجه العبث، بل يستسلم له.
حين نصف الحياة بأنها “عبثية”، فنحن لا نحكم على الواقع، بل نعكس حالة نفسية يعيشها الفرد. الشعور بالعبث لا يأتي من فراغ، بل يتولد من فقدان المعنى، من الإحساس بأن كل الجهود بلا جدوى، وأن الألم دائم، بينما الأمل مؤقت أو زائف.
في هذا السياق، تصبح النفس البشرية ساحة صراع:
هل أستمر رغم الألم؟
أم أنهي هذا الصراع برمته؟
وهنا تظهر سيكولوجيا الانتحار بوصفها ليست رغبة في الموت بقدر ما هي رغبة في إنهاء المعاناة.
قصة بسنت سليمان – وغيرها من الحالات المشابهة – تعكس هذا التمزق الإنساني العميق. لم تكن المسألة ضعفًا، كما يسارع البعض إلى الحكم، بل كانت حالة من الاختناق النفسي، حيث تتراكم الضغوط، ويغيب الاحتواء، ويتحول الألم إلى صمت قاتل.
الإنسان لا ينتحر لأنه يريد أن يموت…
بل لأنه لم يعد يحتمل أن يعيش بهذه الطريقة.
وهنا تكمن الخطورة:
حين يصبح الألم “طبيعيًا” في نظر صاحبه، وحين يفقد القدرة على طلب المساعدة، أو حتى التعبير عما يشعر به. فالكثير من المنتحرين كانوا يبدون عاديين، يضحكون، يتحدثون، لكن داخلهم كان ينهار ببطء.
سيكولوجيًا، يمكن فهم الانتحار من خلال عدة محاور:
العجز المتعلم: حين يشعر الإنسان أن لا شيء سيغير واقعه مهما حاول.
العزلة النفسية: حتى لو كان محاطًا بالناس، يشعر أنه غير مفهوم.
فقدان المعنى: وهو أخطرها، حين لا يجد سببًا للاستمرار.
وهنا نعود إلى السؤال الفلسفي:
هل الحياة بلا معنى فعلًا؟
أم أن الإنسان هو من يفقد قدرته على رؤية المعنى؟
ربما تكون المشكلة ليست في “عبثية الحياة”، بل في غياب من يعيد للإنسان شعوره بقيمته داخلها.
الانتحار ليس حلًا، لأنه لا يُنهي المشكلة… بل يُنهي صاحبها فقط.
أما الألم، فيبقى، ينتقل كعدوى صامتة إلى قلوب من حوله.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الموت نفسه، بل تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن صوته غير مهم، وأن وجوده عبء، وأن غيابه لن يُحدث فرقًا.
وهذا هو الوهم الأكبر.
في النهاية،
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن بحاجة إلى إنقاذ من يفكر في الانتحار…
أم أننا بحاجة أولًا إلى إعادة تعريف معنى الحياة في عيون من فقدوا الإيمان بها؟
ربما يكون النجاة ليست في الهروب من العبث،
بل في مقاومته… ولو بفكرة، ولو بأملٍ صغير.










