فكرة أن المواطن “يشتري” شركة تابعة للجيش تجعله يشعر بالأمان الاستثماري، لأن الجيش في العقل الجمعي المصري مرادف لـ “الانضباط والنجاح والضامن الأقوي علي الأرض”. تحويل هذا الانضباط و المفهوم إلى “أرباح في محفظة المواطن” هو تسويق سياسي واقتصادي بارع. مشروع “مستقبل مصر”: تحويل الأمن الغذائي إلى “أسهم” هو قمة الذكاء، لأن الغذاء سلعة لا تموت، وضمان ربحيتها مرتفع جداً. التكنولوجيا: اقتراح استخدام “إنستاباي” و “تطبيقات المحمول” يغازل فئة الشباب (الجيل Z والجيل ألفا) الذين لا يذهبون للبنوك، بل يديرون حياتهم عبر الشاشات. في مصر نحتاج لتشديد أكبر على فكرة “الحد الأقصى للملكية”. كيف نضمن ألا يأتي “حيتان المال” ويشتروا كل الأسهم المطروحة للمواطنين البسطاء؟ يجب التأكيد على أولوية “صغار المستثمرين”. هنا يأتي دور “صناديق الاستثمار السيادية المصغرة” التي تدير أسهم المواطنين، لتقليل مخاطر الخسارة الفردية.
من الـ ١٠٠ جنيه في قناة السويس إلى ثورة الملكية الجماعية.. كيف يمكن للتحالف العسكري المدني أن يصنع أغنى جيل في تاريخ مصر
في ليلة يناير عام ٢٠١٥، وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي ليعلن عن مشروع حفر قناة السويس الجديدة، ليس فقط كإنجاز هندسي، بل كتجربة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. قالها بوضوح: “نريد كل المصريين أن يمتلكوا حصصاً في هذا المشروع”، وأصدر شهادات استثمار بقيمة ١٠٠ جنيه للمواطن داخل مصر، و١٠٠ دولار للمصريين بالخارج، بفائدة ١٢% تصرف كل ثلاثة أشهر . لم تكن مجرد شهادة ادخار، بل كانت أول مرة في التاريخ الحديث يشعر فيها المواطن البسيط أنه “شريك” في مشروع قومي عملاق. في غضون أيام، جمعت الشهادات ٦٤ مليار جنيه، وتم حفر القناة في عام واحد بدلاً من ثلاثة . كان هذا هو “البروفة” الأولى لفكرة كبرى: تحويل المشروعات الوطنية إلى أسهم مملوكة للشعب.
اليوم، وفي أبريل ٢٠٢٦، كرر الرئيس السيسي الدعوة بصيغة أكثر وضوحاً وطموحاً، واصفاً إياها بأنها “فرصة تاريخية للمصريين”. قال خلال افتتاح مصنعين كيماويين تابعين للقوات المسلحة: “يجب أن تتاح فرصة لشركات القوات المسلحة. يجب أن تدخل البورصة، ويجب أن تتاح الفرصة للمصريين لشراء أسهمها” . لم يكن هذا حديثاً عابراً، بل كان إعلاناً عن “تحالف ثلاثي” غير مسبوق: تحالف بين الجيش المصري (كصانع ومطور للمشروعات)، والقطاع الخاص (كشريك منفذ)، والمجتمع المدني (كمستثمر وملاك). هذا هو جوهر “الشركات المصرية بأسهم للمواطنين”، وهو نموذج رأسمالي ذو طابع وطني، يحوِّل المواطن من متفرج إلى مشارك، ومن دافع ضرائب إلى صاحب حصة في الثروة القومية.
هذا المقال ليس مجرد شرح لفكرة، بل هو مقترح متكامل لخريطة طريق. سنستعرض فيه تجارب دولية رائدة في “ملكية المواطنين” للمشروعات الكبرى، من بلجيكا إلى ألمانيا إلى اليونان، ثم نربطها بالواقع المصري الواعد: مشروعات “مستقبل مصر” الزراعية العملاقة، والمدن الجديدة، والطاقة المتجددة. سنناقش كيف يمكن لتحالف عسكري مدني أن يخلق “طبقة وسطى جديدة” من المستثمرين الصغار، ويكسر احتكار الثروة، ويؤسس لاقتصاد أكثر عدلاً واستدامة. السؤال ليس “هل يمكن تحقيق ذلك؟”، بل “متى نبدأ؟”.
شعب يشتري الرياح: عندما كانت التعاونيات هي “بورصة” الدنمارك
قبل أن ننظر إلى المستقبل، يجب أن ننظر إلى الشمال. في سبعينيات القرن الماضي، كانت الدنمارك تعاني من أزمة طاقة خانقة، وكانت توربينات الرياح مجرد أحلام في عقول المهندسين. لم تنتظر الحكومة مستثمراً أجنبياً كبيراً، بل لجأت إلى حل بسيط وثوري: شجعت المواطنين على تكوين “تعاونيات طاقة”، حيث يجتمع ٢٠ أو ٣٠ جاراً، ويشتركون في شراء توربين رياح واحد، ويبيعون الكهرباء للشبكة. بحلول عام ٢٠٠١، كانت ١٥٠ ألف أسرة دنماركية تمتلك حصصاً في توربينات الرياح، وهو ما يمثل ٨٦% من إجمالي طاقة الرياح في ذلك الوقت . هذا النموذج لم يكن مجرد وسيلة لتمويل المشروعات، بل كان “درعاً سياسياً”. حين يمتلك المواطن سهماً في توربين، فإنه لا يحتج على ضجيجه، بل يدافع عنه. الدنمارك اليوم هي الدولة الأعلى في العالم في نسبة طاقة الرياح (أكثر من ٤٠٪ من الكهرباء)، ويعود الفضل في ذلك إلى “المواطن المالك” وليس إلى الشركات العملاقة.
الألمان تعلموا من جيرانهم وطبقوا النموذج بقسوة. في عام ٢٠١٣، وافقت الحكومة الألمانية على اتفاقية تسمح للمواطنين بالاستثمار مباشرة في شبكات نقل الكهرباء (التي كانت حكراً على الشركات العملاقة)، مع عائد يصل إلى ٥% سنوياً . لكن الألمان أضافوا شرطاً مهماً: “صوت واحد لكل شخص بغض النظر عن حجم استثماره”، مما منع الأغنياء من السيطرة على القرار . هذا هو الفرق بين “الرأسمالية الاستخراجية” و”الرأسمالية التشاركية”. الأولى تريد أموالك فقط، والثانية تريد رأيك أيضاً.
في مدينة إيكلو البلجيكية الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها ٢١ ألف نسمة، قامت البلدية بشراء ١٠٠ “سهم اجتماعي” في تعاونية طاقة محلية. لم تمنح هذه الأسهم للأغنياء، بل منحتها للأسر الفقيرة التي كانت تواجه صعوبة في دفع فواتير الكهرباء. كل سهم قيمته ٢٥٠ يورو، لكن البلدية دفعت ثمنه مقدماً، وأعطت الأسر ست سنوات لسداد القرض . والنتيجة؟ هؤلاء الأسر لم تعد “فقيرة محتاجة مساعدات”، بل أصبحت “أعضاء في تعاونية”، يحضرون اجتماعات الجمعية العمومية، ويصوتون على أسعار الكهرباء، ويشعرون أن الطاقة “مِلكهم” وليست “سلعة تباع لهم”. هذه هي “الكرامة الاقتصادية”، وهي ما يجب أن تسعى إليه مشروعاتنا الوطنية.
نموذج “مستقبل مصر”: من جندي إلى شريك وطني
دعنا ننتقل إلى مصر. في عام ٢٠٢١، أسست القوات الجوية المصرية هيئة “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، وهي كيان اقتصادي عملاق تولى استصلاح وإدارة ٢.٢ مليون فدان في مشروع “الدلتا الجديدة”، وهو ما يعادل نصف الأراضي المزروعة في مصر حالياً تقريباً . المشروع ليس مجرد زراعة قمح، بل هو سلسلة متكاملة تشمل محطات معالجة مياه، وصوامع تخزين، ومصانع أعلاف، وحتى منصات تداول إلكترونية للمحاصيل. الهيئة، التي يديرها اللواء بهاء الغنام (وهو طيار مقاتل تحول إلى رجل زراعي)، حققت إنجازات أذهلت المراقبين: في ست سنوات فقط، ساهمت الهيئة في خفض فاتورة الاستيراد بمقدار ٤.٣ مليار دولار، وخلقت ٤٠ ألف فرصة عمل مباشرة ومليوني فرصة غير مباشرة، ومن المتوقع أن تصل صادراتها إلى ٢ مليار دولار بحلول ٢٠٢٩ .
لكن السر الحقيقي وراء نجاح “مستقبل مصر” ليس في قدرتها على استصلاح الصحراء فقط، بل في قدرتها على “جذب القطاع الخاص”. على عكس المشروعات الحكومية التقليدية التي تزاحم المستثمرين، تعاقدت “مستقبل مصر” مع أكثر من ٥٠٠ شركة خاصة في مختلف المجالات، وقدمت لهم عقود إيجار طويلة الأجل بشروط شفافة . هنا يأتي المقترح: بدلاً من أن تكون الهيئة هي المالك الوحيد، لماذا لا يتم تحويل جزء من هذه العقود أو الأصول إلى “أسهم قابلة للتداول”؟ تخيل أن الفلاح أو التاجر أو الموظف يمكنه شراء “سهم في محصول قمح” أو “سهم في صومعة تخزين” من خلال تطبيق على الهاتف المحمول، بأقل من ألف جنيه. هذا السهم يمنحه حصة من الأرباح السنوية، ويجعله شريكاً حقيقياً في مشروع الأمن الغذائي المصري.
ليس هذا خيالاً. فقد سبق وأن طرحت شركة “العاصمة الإدارية للتنمية الحضرية” فكرة طرح أسهمها في البورصة المصرية IPO ، حيث يمتلك الجيش ٥١% وهيئة المجتمعات العمرانية ٤٩% . لكن الطرح تأجل لأسباب تتعلق بالتصنيف الائتماني وتقييم الأصول. هذا التأجيل ليس نهاية الطريق، بل هو فرصة لإعادة التصميم. بدلاً من طرح أسهم الشركة الأم كاملة (التي تقدر أصولها بـ ٤ تريليونات جنيه)، يمكن طرح “وحدات اقتصادية” أصغر. على سبيل المثال، طرح أسهم “مدينة جرجان” الجديدة التي تبنيها شركة “سكاي ناشونز” التابعة لمستقبل مصر باستثمارات تصل إلى ١.٥ تريليون جنيه . تخيل أن المواطن العادي يمكنه شراء “سهم في شقة” أو “سهم في محل تجاري” في هذه المدينة الجديدة، قبل أن تُبنى، ويحصل على عائد إيجاري بعد الانتهاء. هذا هو بالضبط ما تفعله صناديق الاستثمار العقاري في أوروبا وأمريكا، لكنه لم يُطبق بعد في مصر بهذه الصورة.
من التمويل القسري إلى الاستثمار الطوعي: تجارب النجاح في الصين وألمانيا
في الصين، واجهت الحكومة ذات التحدي: كيف تعوض المواطنين عن نزع ملكية أراضيهم لصالح مشروعات التنمية الحضرية الكبرى؟ الحل كان “تحويل الأصول إلى أسهم”. في مدينة قوييانغ، تم جمع أراضي القرى المنكوبة، وتحويلها إلى أسهم ملكية للمواطنين، وتوزيع أرباح سنوية. أحد المواطنين، ويدعى باي تشانغيون، حصل على أرباح سنوية من أسهمه بلغت ٣٣٠٠ يوان عن كل سهم، بزيادة من ٥٠٠ يوان قبل عشر سنوات . هذا النموذج، الذي يسمى “التحول من قروي إلى مساهم”، لم يمنع الفقر فقط، بل حول المواطنين إلى “حراس” للمشروعات، لأن أي ضرر يلحق بالمشروع هو ضرر مباشر في أرباحهم.
في أوروبا، هناك نموذج آخر يُعرف بـ”الأسهم الاجتماعية” Social Shares في اليونان، بعد الأزمة المالية التي دمرت الطبقة الوسطى، ظهرت تعاونيات طاقة مثل “هايبريون”. جمع ١٣٠ عضواً أموالهم لبناء مزرعة شمسية بقدرة ٥٠٠ كيلوواط. لم يكونوا أغنياء، بل كانوا مواطنين عاديين أرادوا تحرير فواتير الكهرباء من احتكار الشركات. اليوم، توفر لهم التعاونية كهرباء أرخص بنسبة ٣٠%، وتوزع أرباحاً سنوية . مفتاح النجاح هنا هو “الشفافية” و”التحكم الديمقراطي”. كل عضو له صوت واحد، بغض النظر عن عدد أسهمه، مما يمنع الأغنياء من شراء القرارات. هذا هو الجوهر الذي يجب أن ننقله إلى مشروعاتنا.
العقبات والحلول: من الظل إلى النور
بالطبع، الطريق ليس مفروشاً بالورود. هناك ثلاثة تحديات رئيسية تواجه هذا المقترح:
التحدي الأول هو الشفافية. تقارير دولية مثل تقرير مؤسسة كارنيغي أشارت إلى أن “غياب الشفافية المالية” يجعل من الصعب تقييم أدائها الحقيقي . الحل المقترح هو إنشاء “هيئة مستقلة لتقييم الأصول”، قبل طرحها للاكتتاب العام. هذه الهيئة تصدر تقريراً سنوياً شفافاً عن إيرادات ومصروفات كل مشروع.
التحدي الثاني هو الإطار القانوني. الحل هو تعديل قانون سوق رأس المال ليشمل “شركات ذات طبيعة خاصة”، تلتزم بالشفافية المالية وتخضع لرقابة هيئة الرقابة المالية، لكنها تحتفظ بمرونة تشغيلية تسمح لها بإدارة المشروعات العملاقة بكفاءة. هذا هو ما يُعرف بـ”المناطق الاقتصادية ذات القوانين الخاصة”، لكن للمرة الأولى تُطبق على قطاع الأسهم.
التحدي الثالث هو الثقافة. المصري العادي يفضل الادخار في الذهب أو العقار، ولا يزال ينظر إلى سوق الأسهم بعين الريبة. الحل هو حملات توعية ضخمة، تشرح باللغة العامية معنى “عائد الاستثمار”، وتاريخ توزيعات الأرباح للمشروعات السابقة (مثل شهادات قناة السويس التي حققت عائداً ممتازاً)، وربط الاكتتاب بمنصات إلكترونية سهلة مثل “إنستاباي” أو تطبيقات البنوك الحكومية. يجب أن تصبح “الأسهم الوطنية” هدية العيد للشباب، مثلما كانت شهادات التوفير في الماضي.
خاتمة: جنود ومواطنون في خندق واحد
تحت قيادة الرئيس السيسي، بدأت مصر بالفعل الرحلة. الرئيس قالها بوضوح: “يجب أن تكون هناك فرصة للقوات المسلحة لدخول سوق الأسهم، ويجب أن يحصل المصريون على فرصة شراء أسهمهم” . لم يعد السؤال هو “هل سيحدث؟” بل “متى سيحدث؟” و”كيف سيحدث؟”. القوات المسلحة لديها الآن مشروعات ناجحة اقتصادياً وليست مجرد نفقات عسكرية: من “مستقبل مصر” في الزراعة إلى “سكاي ناشونز” في التطوير العقاري إلى مصانع الكيماويات والأدوية. كل هذه الأصول هي “مرشحة مثالية” للتحول إلى شركات مساهمة عامة.
المقترح ليس “خصخصة” بالمعنى السلبي للكلمة، حيث تبيع الدولة أصولها وتختفي. بل هو “توسيع قاعدة الملكية”، حيث تبقى الدولة (ممثلة في القوات المسلحة) مساهماً رئيسياً، وتدعو المواطنين ليصبحوا شركاء صغار. هذا يخلق “تحالفاً ثلاثياً” نادراً في العالم: جيش يدير المشروع بكفاءة (بدون بيروقراطية حكومية)، وقطاع خاص ينفذ وينافس، وشعب يمول ويراقب ويستفيد.
تخيل مستقبلاً حيث لا يشكو المصري من “غلاء اللحوم” فقط، بل يفتح تطبيق هاتفه ليرى أن “محفظته الاستثمارية” في شركة “مستقبل مصر” قد ارتفعت قيمتها بفضل ارتفاع أسعار الصادرات الزراعية. تخيل أماً بسيطة تشتري سهماً في محطة شمسية في أسوان، وتتلقى أرباحاً تغطي فاتورة كهرباء منزلها. هذا ليس “حلماً اشتراكياً”، بل هو “رأسمالية شعبية” أثبتت نجاحها في الدنمارك وألمانيا واليونان والصين. حان الوقت لتطبيقها في مصر.
مصر لا تحتاج إلى “متبرعين” ولا إلى “قروض” فقط. مصر تحتاج إلى “شركاء”. وشعب مصر هو أقوى شركائها. حان وقت تحويل الجماهير من مجرد “مستهلكين للخدمات” إلى “ملاك ومستثمرين”. البورصة المصرية تنتظر عصرها الذهبي، والجيش المصري ينتظر أن يتحول من “حامي للوطن” إلى “باني لثروة الوطن”. فلنبدأ اليوم، بسهم واحد، ومواطن واحد، وحلم واحد: مصر التي نصنعها جميعاً










