في كل عصر تظهر أصوات تدعي امتلاك الإجابة لكن الفارق اليوم أن هذه الأصوات لم تعد هامشية كما كانت بل أصبحت في قلب المشهد تصنع لها مساحات وتمنح أضواء وتُقاس قيمتها بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة. وهنا تحديدا يبدأ السؤال الحقيقي: هل التريند يصنع هذه النماذج… أم يكشفها… أم يمنحها ما لم تكن لتحصل عليه؟ المشكلة لا تبدأ من مدّع يخرج إلى الناس فهذه الظاهرة قديمة بقدم المجتمعات لكن ما تغيّر هو البيئة التي تحتضن هذا الادعاء. لم يعد الأمر يحتاج إلى سنوات لبناء ثقة زائفة بل يكفي مقطع قصير خطاب واثق وجمهور يبحث عن إجابة سريعة حتى تتحول الفكرة إلى حقيقة متداولة.. في هذه المساحة تختلط الحدود بين العلم والتأويل بين الرأي والمعرفة بين الإيمان والادعاء. يظهر من يتحدث في الطب بلا منهج ويستند إلى نصوص دينية بطريقة انتقائية لا ليفهمها بل ليسخرها لخدمة تصور مسبق. وهنا لا يكون الخلل في النص، بل في القراءة. لأن النصوص في جوهرها ليست أدوات لإثبات ما نريد بل مساحات للفهم والتأمل تحتاج إلى علم يضبطها لا إلى هوى يوجهها.. اللافت أن هذه النماذج لا تعتمد على البرهان بقدر اعتمادها على اليقين الصوتي. ثقة مفرطة نبرة حاسمة وطرح يبدو بسيطا وسهلا فيجذب من يبحث عن إجابة دون تعقيد. فالعلم بطبيعته يطرح احتمالات ويعترف بالحدود بينما الادعاء يقدم يقينا مطلقا… وهذا ما يجعل الأخير أكثر جاذبية في بيئة تبحث عن الطمأنينة السريعة.. لكن الخطورة لا تكمن فقط في الخطاب بل في الاستقبال. فالمجتمع في لحظات القلق أو الحاجة يكون أكثر استعدادا لتصديق ما يريحه لا ما يصححه. وهنا يجد المدعي أرضا خصبة ليس لأنه الأقوى حجة بل لأنه يلبي حاجة نفسية قبل أن يقدم فكرة. وعندما تلتقي الحاجة بالادعاء يصبح التأثير مضاعفا.. ومن هنا لا يمكن اختزال الظاهرة في شخص بعينه لأن الشخص يختفي ويأتي غيره لكن الفكرة تبقى. إنها طريقة تفكير ترى في البساطة المطلقة دليلًا على الحقيقة وفي التعقيد العلمي عائقا لا ضرورة له. طريقة تختصر الطريق لكنها تختصر معه الحقيقة.. التريند، في هذا السياق لا يخلق الفكرة من العدم لكنه يضخمها. يلتقط ما هو موجود ويعيد تقديمه في صورة جذابة ويمنحه انتشارا لم يكن ليحصل عليه في ظروف طبيعية. وهنا يتحول من مجرد وسيط إلى شريك في التأثير. لا يصنع المحتوى فقط بل يعيد تشكيله ويحدد ما يُرى وما يُهمل.. لكن هل يمكن القول إن التريند هو المسؤول؟
الإجابة أكثر تعقيدا. لأن التريند في جوهره، انعكاس لما يريده الناس. هو مرآة لكنه مرآة مكبّرة. يعكس الاهتمام ويضخمه في الوقت نفسه. فإذا كان الاهتمام منحازا إلى السهل والسريع فإن ما يظهر في الواجهة سيكون كذلك.
وهنا يظهر دور الوعي. ليس الوعي بوصفه معرفة متخصصة فقط بل كقدرة على السؤال. على التمييز بين ما يُقال بثقة وما يُبنى على دليل. لأن أخطر ما في هذه الظواهر ليس الخطأ نفسه، بل القدرة على تمريره دون مقاومة. في الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل المسؤولية الأخلاقية للمنصات. فحين تُترك المساحات بلا ضوابط يتحول التأثير إلى قوة غير متوازنة. ليس المطلوب تقييد التعبير بل حماية المجال العام من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة للضرر. لأن الحرية دون وعي، قد تتحول إلى أداة عكسية..كما أن المؤسسات العلمية والدينية تتحمل جزءا من المسؤولية. فغياب الخطاب الواضح القادر على الوصول إلى الناس بلغة بسيطة دون أن يفقد دقته يترك فراغا يملؤه من لا يملك الأدوات. والفراغ بطبيعته لا يبقى فارغا.. لكن ربما يكون الجانب الأكثر خطورة هو الأثر الإنساني. لأن من يلجأ إلى هذه النماذج ليس دائما باحثا عن جدل بل قد يكون مريضا يبحث عن شفاء أو إنسانا يبحث عن طمأنينة. وعندما يُقابل هذا الاحتياج بإجابة خاطئة لا يكون الخطأ نظريا بل يتحول إلى معاناة حقيقية.. وهنا تتجاوز القضية حدود النقاش الفكري لتصبح مسألة مسؤولية. مسؤولية كلمة ومسؤولية تأثير. لأن الكلمة في هذا السياق ليست مجرد رأي بل قد تكون قرارا يتبعه فعل. في النهاية قد لا نستطيع منع ظهور هذه النماذج لكنها لن تكون مؤثرة إلا بقدر ما نمنحها من مساحة. فالمعركة ليست مع المدعي بقدر ما هي مع القابلية للتصديق دون تمحيص.. إما أن نُعيد الاعتبار للعقل، وللمنهج وللسؤال…
أو نترك الساحة لمن يُجيدون الإجابة… حتى لو كانت خاطئة.










