..وأجمل زيارة هي التي تسر الخاطر وتريح البال وتغيظ العدا..وسيناء من اجمل الزيارات على الاطلاق.. فيها كل ما يخطر على بالك من معان وقيم ودروس دينية وتاريخية وثقافية وفنية والاهم الدروس الوطنية..كل حبة رمل منذ ان تطأ قدمك سيناء من أي بوابة او مدخل شئت من فوق الماء او من تحت الماء.. برا او جوا ستغمرك نسائم غير عادية هواء ليس كالهواء وارض ليست كالارض..ليس في الامر مبالغة يكفي ان تعرف انها ارض التجلي تجلى عليها الله على نبيه موسى عليه السلام..وهي الأرض الوحيدة التي جاء الامر عند دخولها بخلع النعال احتراما وتقديسا كما قال الله لموسى:”اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى”..نفحات علوية خاصة مخصوصة لتلك الأرض الطيبة وأهلها أيضا..
تمتلك سيناء قوة روحية غاية في السمو وقوة وطنية اعظم لا يضاهيها قوة في العالم ولا تتوفر لاي بلد من بلاد الله الواسعة وهذه هبة أخرى لمصر والمصريين..
يزيد من جمال الزيارة لسيناء ذلك التعلق القلبي والوجداني والذي يلهب المشاعر مع كل خطوة ويعمقها مع كل زيارة مهما تكررت وتقاربت..
الحقيقة لم اتوقف عن زيارة سيناء منذ أعياد التحرير الأولى وكنت في طليعة وفد الصحفيين في بداية المشوار الذين شهدوا الافتتاح الرسمي للمقرات في العريش بعد انسحاب اقوات العدو الإسرائيلي منها وعودة سيناء الى حضن الوطن وتطهيرها من الدنس الصهيوني الخبيث.. وتواصلت الزيارات سنويا الى العريش والطور ومدن وسط سيناء مع أعياد التحرير عندما كنت محررا في قسم المحافظات واستمرت الزيارات بشكل مكثف واعمق الى جنوب سيناء وشرم الشيخ عندما كنت محررا لشئون رئاسة الجمهورية وكان السفر شبه يومي حيث كان الرئيس الراحل حسني مبارك يتخذ من شرم الشيخ مقرا له في معظم أيام السنة ويعقد فيها المؤتمرات الدولية وغيرها حتى اكتسبت شهرة عالمية..
تخلل ذلك زيارات لقضاء المصيف في مدينة العريش على شواطئها الساحرة..وقد كانت نقابة الصحفيين تنظم مصيفا سنويا لاعضائها كل عام في المخيمات الى جانب مخيمات شباب الجامعات من المحافظات وكان يحظى باقبال كبير جدا..ولا تزال ذكرياتها الجميلة في قلوب وعقول الأبناء خاصة وانه كان يتم على هامش المصيف زيارات لاهم المعالم الاثرية والصناعية وأماكن المعارك الحربية والمواجهات مع قوات الاحتلال واطلال مستوطنة ياميت إياها التي حاول العدو ان يتشبث بها ويجعلها مسمار جحا وفشل فشلا ذريعا فما كان منه الا ان هدمها وخربها قبل الانسحاب مخزيا مذلولا..
لا انسى من بيت الزيارات تلك الزيارة النادرة التي قام بها فضيلة الامام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الازهر رحمه الله في أوائل التسعينيات ومعه عدد كبير من القيادات الدينية ورؤساء المؤسسات وبينهم وزير الأوقاف د.محمد على محجوب وزير الأوقاف الأسبق رحمه الله وبرفقة المحافظ اللواء تحسنين شنن وقيادات سيناء الشعبية والتنفيذية ورؤساء القبائل وغيرهم..كانت زيارة مفعمة بكل المعاني الوطنية والدينية لم تقتصر فقط على اللقاءات الرسمية البروتوكولية..اذ طلب الامام الأكبر يومها ان يزور اقصى نقطة على الحدود بين سيناء وفلسطين والكيان الصهيوني ورفض شيخ الازهر ان يستقل سيارة خاصة والسيد المحافظ وبالفعل ركبنا جميعا في اتوبيس سياحي واحد وكذلك الوفد الصحفي وقام بجولة كبيرة في رفح وتجولنا داخل اكبر مزارع الخوخ والتي تروى بمياه الامطار وكانت المصادفة انه وقت الحصاد ويقوم الفلاحون بجمع الخوخ وكانت سيارات النقل تحمل الاقفاص من نقاط التجميع التي مررنا عليها.. وبالمناسبة يتصدر الخوخ السيناوي راس قائمة الاجود في العالم وله مذاق خاص ساحر ولون مميز يذوب في الفم مباشرة..وسارت بنا الحافلة على خط الحدود بجوار السلك الشائك وكنا نرى نقاط المراقبة الحدودية والقوات الإسرائيلية على الجانب الاخر.. ووصلنا الى معبر رفح ودخلت الحافلة الى الجانب الاخر في عبور رمزي الى قطاع غزة وسط ترحيب كبير من العاملين في المعبر وهتافات تحيا مصر الازهر..الجولة كانت اقوى رسالة تغيظ العدو..
على خط الحدود أيضا كانت الدعوة للغذاء في منزل شيخ قبيلة الرميلات على ما أتذكر الشيخ عيسى عودة وكانت مائدة بدوية فخمة لحم بالعيش السيناوي الشهير الشهي الى جانب الخوخ والتين والقهوة العربي..المنزل يطل على اخر نقطة على الصور الفاصل بين غزة ورفح المصرية والجالس في المنزل يرى الناس على الجانب الاخر وهم يتحركون ويقضون حوائجهم وشئون حياتهم..
ذكرني الشيخ عبد الله جهامة رئيس جمعية مجاهدي سيناء في اتصال هاتفي معه بالزيارة العظيمة وما كان لها من اثر في نفوس أبناء سيناء جميعا وأيضا من كونها اطلقت الشرارة الكبيرة للوعي الديني ودخول علماء الازهر ورجال الدعوة بقوة والانتشار في المناطق البعيدة والنائية لتثقيف الشباب وتحصينهم من الفكر المنحرف والدعوات الضالة التي كانت تتستر بالدين وفي غيبة من رجال الازهر والاوقاف..
يلفت الشيخ الجهامة الأنظار ويقرع اذهان المسئولين الى الخطر الذي تمثله وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله مغالطات وما تردده من أكاذيب تصل حد المؤامرة بحسب تعبيره وهو ما يستدعي العمل بكل قوة وصدق لمواجهة ما يحدث بسرعة وقبل فوات الأوان..
كلام الشيخ السيناوي والمجاهد الكبير ليس بعيدا عن الزيارت لسيناء واهميتها خاصة للشباب سواء داخل سيناء او خارجها ليس فقط للترفيه وانما لاثارة الوعي والتأكيد على المعاني والقيم الوطنية والتذكير بالامجاد التاريخية وتحصين الأرض والفكر من الأفكار والاطماع التوسعية والاحلام والهلوسات التي يعاني منها العدو الرابض على الحدود..
نحتاج الى منهج جديد في تأكيد ودعم ومواصلة الزيارة الدائمة لسيناء وان تكون على الجدول الدائم للرحلات المدرسية ولشباب الجامعات ولاعضاء النقابات المهنية وغيرها وان تعود المصايف من جديد افادة من الامن والاستقرار الذي تنعم به سيناء بعد الجهود الجبارة التي قام بها حماة الوطن في دحر الإرهاب والجماعات الضالة المضلة وبعد ان نجانا الله من القوم الظالمين..
سيناء ستظل دائما مصدرا فياضا لنور الايمان والوطنية الساطع ولو كره الكارهون..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










