قراءة تحليلية مقارنة بين دول الخليج ومصر وتونس كأمثلة في الحاضر واستشراف المستقبل
تتصدّر المسألة الاقتصادية اليوم واجهة الوعي الإنساني، لا بوصفها مجرد أرقامٍ في تقارير مالية، بل باعتبارها تجربة يومية معيشة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه؛ إذ لم يعد التضخم ظاهرةً تقنية تُعالج بأدوات نقدية فحسب، بل أصبح قوةً خفية تعيد توزيع الألم الاجتماعي، وتعيد تعريف الكرامة الإنسانية عبر القدرة على الاستهلاك والبقاء.
في السياق العالمي، يشهد الاقتصاد الدولي مرحلة انتقالية معقدة تتسم بتباطؤ نسبي في التضخم بعد ذروات حادة، حيث تشير التقديرات إلى تراجعه تدريجياً نحو مستويات تقارب 4% في عام 2025، إلا أن هذا التراجع لا يعني انحسار الأثر، بل انتقاله من الصدمة إلى التراكم البطيء في تآكل الدخول الحقيقية . ويبرز هنا مفهوم “التضخم البنيوي” المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، والتحولات الجيوسياسية، مما يجعل غلاء المعيشة ظاهرة مستمرة وليست طارئة.
ضمن هذا الإطار، تتباين النماذج الاقتصادية العربية تبايناً واضحاً؛ ففي دول الخليج العربي، حيث الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط مع توجه متزايد نحو التنويع، تبدو معدلات التضخم منخفضة نسبياً (في حدود 1–2%) مقارنة ببقية الدول العربية ، ويعود ذلك إلى قوة العملة، وارتفاع الدخل الفردي، وسياسات الدعم الحكومي، إضافة إلى ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد الدولة المستثمرة)، حيث تلعب الحكومات دوراً مباشراً في الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. غير أن هذا النموذج، رغم استقراره الظاهري، يخفي تحديات مستقبلية تتعلق بالاعتماد على العائدات النفطية، والتفاوت بين المواطنين والعمالة الوافدة، وإشكالية التحول إلى اقتصاد معرفي مستدام.
في المقابل، فإن مصر تمثل نموذجاً لاقتصاد نامٍ مثقل بتحديات هيكلية، حيث شهدت معدلات تضخم مرتفعة بلغت مستويات قياسية قاربت 35% في 2023 قبل أن تتراجع تدريجياً إلى حدود 11–12% في 2025 . هذا التذبذب يعكس هشاشة التوازن بين السياسات النقدية والضغوط الاجتماعية، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تآكل الطبقة الوسطى، وزيادة الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع القدرة الادخارية للأفراد. ويزداد الأمر تعقيداً مع ارتفاع كلفة تسديد الدين العام، وضغوط العملة، ما يجعل الإصلاح الاقتصادي عملية مؤلمة اجتماعياً رغم ضرورتها.
أما تونس، فتقدم نموذجاً ثالثاً مختلفا ولكنه يتميز باستقرار نسبي في معدلات التضخم (حوالي 5.3% في 2025) ، لكنه استقرار لا ينعكس بالضرورة على الواقع المعيشي، إذ تشير المعطيات إلى استمرار تآكل الأجور وارتفاع البطالة وضعف النمو (حوالي 2.5%) . وهنا يظهر بوضوح مفهوم “الفقر النسبي”، حيث لا تكمن الأزمة في الارتفاع الحاد للأسعار بقدر ما تكمن في ضعف القدرة الإنتاجية وتقلص فرص العمل، ما يخلق حالة من الركود الاجتماعي المقنّع.
إن المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة تكشف عن مفارقة جوهرية: فبينما تعاني مصر من تضخم مرتفع يضغط على الحياة اليومية، وتواجه تونس ركوداً اقتصادياً يحدّ من التحسن المعيشي، تتمتع دول الخليج باستقرار نسبي لكنه مرتبط بعوامل خارجية (أسعار النفط) أكثر من كونه نتيجة إنتاجية داخلية متوازنة. وهذا التفاوت يعمّق ظاهرة عدم المساواة، ليس فقط داخل الدول، بل بينها، حيث تتسع الفجوة بين اقتصاديات الوفرة واقتصاديات الندرة.
إن تلك التحديات على مستوى الفرد، تتجلى أثار غلاء المعيشة في ثلاث دوائر متداخلة: أولها الدائرة المادية، حيث يتراجع الاستهلاك الأساسي وتُعاد هيكلة الأولويات؛ وثانيها الدائرة النفسية، حيث يتزايد القلق وانعدام الأمان الاقتصادي؛ وثالثها الدائرة القيمية، حيث تتغير أنماط التضامن الاجتماعي وتضعف الروابط التقليدية تحت ضغط الحاجة. وقد أكدت دراسات الرأي حول تلك التحديات بأن الاقتصاد أصبح المحدد الأول للمزاج العام في المجتمعات العربية، متقدماً على الاعتبارات السياسية والثقافية .
أما على مستوى المجتمع، فإن استمرار هذه الضغوط يؤدي إلى إعادة تشكيل البنية الطبقية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وارتفاع معدلات الهجرة، وتزايد الاحتجاجات الاجتماعية. ويكمن الخطر الحقيقي في ما يمكن تسميته بـ”توريث الأزمة”، حيث تنتقل آثار غلاء المعيشة إلى الأجيال القادمة عبر ضعف التعليم، وسوء التغذية، وتراجع الفرص، مما يعيد إنتاج الفقر في دورة مغلقة.
وفي نظرة عميقة للمستقبل، يمكن القول إن التحدي الأكبر لا يكمن في خفض معدلات التضخم فحسب، بل في بناء نموذج اقتصادي أكثر عدالة واستدامة؛ نموذج يعيد التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويعزز دور الإنسان كغاية لا كوسيلة. فاقتصاد الدولة المستثمرة، إذا لم يقترن بسياسات توزيع عادلة، قد يتحول إلى أداة لتعميق الفجوة، كما أن الإصلاحات الهيكلية في الدول النامية، إذا لم تُراعِ البعد الاجتماعي، قد تؤدي إلى تفكك النسيج المجتمعي.
خلاصة القول إن غلاء المعيشة ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حضاري لمدى قدرة المجتمعات على التكيف مع عالم متغير؛ عالمٍ لم يعد فيه السؤال: كيف ننمو؟ بل: لمن يكون هذا النمو؟ وكيف يُعاد توزيعه؟ وبين هذا وذاك، يقف الإنسان البسيط في قلب المعادلة، حاملاً عبء الاقتصاد على كتفيه، بينما ينتظر من السياسات أن تعيد إليه شيئاً من التوازن المفقود بين الكرامة والقدرة على العيش.










