دعونا – يا أصدقائي – لانبرح هذي الحانة حتي نملأ كئوسنا من عطورها ؛ فإنما هي حانة الحب والشوق ، حيث شذاها قطرات أنفاس العاشقين ، وخمرها عصارة آهات المُحبين !!.
الراصد لحال العاشقين يري أن أقدارهم ألا يتزوجوا ، فلا عنترة بن شداد تزوج من عبلة ، إبنة الفارس العبسي مالك بن قراد ، والذي اشترط عليه مهراً عَصيّاً ، ألفاً من النوق العصافير ، وهي الإبل الحمراء العفيّة النادرة ، والتي كاد عنترة يهلك ، حين جازف بجلبها من مَراعي النعمان بن المنذر ملك العراق !!.
ولا كُثيّر تزوج عزة ، ولا جميل بن مَعمر تزوج بُثيّنة ، ولا قيس بن الملوح تزوج ليلي العامرية ، غاية ما جري له أن ضربه الجنون ، فهام علي وجهه في الصحراء ينشد فيها أعذب الأشعار ، بعدما تزوجت من ورد العُقيلي ، حتي أخذه أبوه إلي الحج ، لعله يشفي ، ويتوب عن حب ليلي ، وينساها ، فإذا به يسمع مُنادياً في القافلة يُنادي باسمها ( ياااليلي ) ، فوقع مَغشيّاً عليه ، ولمّا أفاق أنشد : ذكرتكِ والحجيجُ لهم ضجيجٌ / بمكةَ ، والقلوبُ لها وجيبُ ، أتوبُ إليكَ يارحمنُ مما / عملتُ ، فقد تكاثرت الذنوبُ ، وأما عن هوي ليلي وتركي/ زيارتها ، فإني لا أتوبُ !!.
لكن الذي استطاع خرق ناموس العُشّاق ، وقانونهم القدري ، كان قيس بن ذُريح ، عاشق لُبني ، وهو أخو الحسين بن علي بن أبي طالب من الرضاعة ، هام بلُبني حباً ووجداً وصبابة ، وشغفت هي به أكثر ، فتزوجها ، لكن ليته مافعل ؛ فقد ترك كل شئ في حياته إلا لُبني ، حتي صارت عالمه ودنياه ، لا يبرح خيمتها ، ولا يلتفت لسواها ، فغارت أمه ، غيرة الأنثي من الأنثي ، وحرضت أباه أن يُرغمه علي تطليقها ، لكن قيس أبي ، وكاد يفقد صوابه ، ويجن عقله !!.
وأصرت أمه علي طلاقها ، وتحججت بأن لُبني لا تُنجب ، وكانت تخرج إلي الصحراء صباح كل يوم ، يلفحها لهيب الشمس ، ونار الرمضاء ، وتقسم ألا تعود ، حتي يُطلق قيس لُبني ، فطلقها المسكين مُرغماً ، وكأنما يفقأ عينه بيده !!.
تزوجت لُبني خالد بن حلزة ، لكنها أبداً لم تنس قيس ، ذلك الهائم في البراري وحيداً ، يُرجع الفضاء صدي شعره ، وتتناقله الألسن في المنتديات ، حتي قابلها ذات يوم مُصادفةً ، فمرض وساء حاله ، وعرف زوجها بالأمر ، فخيرها بين أن تبقي معه ، أو تفارقه إلي حبيبها ، رجل نبيل وراقٍ ذلك الزوج ، فاختارت لُبني الفرار إلي حضن الحبيب الغائب الحاضر دوماً ، لكن القدر كان له قراره الأبدي ، ألا يتزوج العُشّاق ، فمرضت لُبني ، وماتت أثناء قضاء عِدتها !!.
وكأنما مَكتوب علي المُحبين أن تظل أرواحهم هائمة ، مُعلقةً بين السماء والأرض ، تدور في فلك لانهائي ، فلا تعود إلي الأرض ، ولا تعرج إلي السماء !!.










