ياسمين التي لم أرها، أمي ما زالت تتذكر يوم ميلادها، ولم أعِ مقدار التعلق الذي أبكاها حين نظرت إلى أوراق النتيجة وقالت: اليوم أكملت أختكم عشرين عامًا في الجنة،
لم أرَ أمي في هذا اليوم كعادتها، كانت مثقلة بالألم والشوق، أختي التي فارقت الحياة منذ ولادتها، أمي المتدفق قلبها بالحب، ما زالت تتذكر ملامحها وصوت بكائها وصمتها الأخير،
بيتنا الدافئ، صوت أحمد علي إسماعيل في أذاعة القرآن الكريم يتردد بين أرجائه، يصافح رائحة البخور والقهوة، الفطور الذي كان يجمعنا ما زال طعمه في فمي، بيتنا بجوار المسجد ما زلت أتذكره، الحائط المرسوم عليه رسومات ما زال عالقًا بالذاكرة، والأرجوحة التي صنعها أبي، الحديقة الصغيرة حوله والكانون، كل شيء ما زال عالقًا بالداخل، في غرفة بعيدة،
ولكوني الأصغر، أنا أكثر إخوتي تعلقًا بأمي، كنت أحب الجلوس أسفل قدميها، أخبئ رأسي في حجرها، لترتل آيات من القرآن وتتمتم بكلمات لم أسمعها،
في الرؤى، رأيت كما يرى النائم أنني عدت، كانت أمي في انتظاري، حضنتها برفق وأطلت، وحين استيقظت كان ما يزال دفء حضنها يحيطني بحنو لا يوصف، وصوتها في أذني، و وسادتي مبتلة بالدموع،
لكن هل ستتذكرني الأماكن حين أعود؟ هل سأجد من كانوا يملؤون البيت حياة؟ لا بد أن الذكريات ستستقبلني، ورائحة خبز أمي، ستشعرني بالجوع، لابد أن أمي ستعانقني كما وعدتني في الرؤى،
لكن السنوات مرت سريعًا، لم يكن الأمر كما تمنيت، لقد اشتاقت الجنة لأمي، ولا بد أن ياسمين سعيدة الآن، أعرف أن روحهما الطيبة ما زالتا ترتلان آيات القرآن وتنتظران عودتي،
حين أعود..
سأبحث عن أمي في رائحة الخبز،
وعن أبي في صوت المذياع،
وعن طفولتي في الأرجوحة القديمة،
سيجمعنا حضن ياسر وصوت أحمد الذي يشبه صوت أبي، أعلم أن غادة ستبكي حين تراني بعد كل هذا الغياب الممتد،
أوقن أن دعاء أمي الذي ما زال يطوف حول العرش سيعيدني قريبًا إلى الوطن، كما تمنيت.










