.
في قنديل أم هاشم للمبدع يحيى حقي، خاض بطل الرواية معركة قاسية : العلم مقابل الخرافة، حين عاد من ألمانيا يحمل الطب الحديث ليصطدم بأهل حيه الشعبي الذي كان يؤمن بعلاج أمراض العيون بزيت قنديل أم هاشم.
ظنّ في البداية أن الحقيقة وحدها تكفي، وأن العلم قادر على الانتصار بمجرد ظهوره، لكنه اكتشف أن الناس لا تستقبل العلم بسهولة ولا تترك معتقداتها التي درجت عليها سنينا طويلة الا بعد هزات عنيفة.
المفارقة المؤلمة أن هذه الرواية التي كُتبت قبل أكثر من سبعين عامًا، تبدو وكأنها تصف ما نعيشه اليوم حرفيًا مع ظاهرة “الطيبات” وما يشبهها من موجات الخرافة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الأسماء تغيرت، والقنديل اختفى، لكن الفكرة بقيت كما هي.
اليوم لم يعد زيت القنديل هو العلاج السحري، وإنما وصفات الإنترنت، ومقاطع “المؤثرين”، والدجالون الذين يتحدثون بثقة أكبر من العلماء أحيانًا.
وكل من يحاول أن يناقش أو يشرح أو يطلب دليلًا علميًا، يجد نفسه متهمًا بأنه ضد الطبيعة أو ضد التراث أو ضد الناس البسطاء او عضوا في مافيات شركات الدواء التي تتآمر على صحة الناس، وتقتل كل من يجد بدائل لتجارتها كما قتلت صاحب ” الطيبات”.
لقد منحت وسائل التواصل الجميع مساحة للتعبير، وهذا أمر طبيعي، لكنها كشفت أيضًا حجم انتشار الجهل أكثر مما كنا نتخيل، حتى على من كنا نعتقد أنهم من النخبة،
صرنا نصطدم يوميًا بالدفاع عن النصابين، والترويج للوهم، وتحويل أي نقاش علمي إلى معركة .
محاربة الدجل واجب، سواء بالقانون أو بالمهنية أو بالتوعية، لذا من لديه علم فليكتب وليدحض كذب الكاذبين والمدعيين ويرفع مستوى الوعي لأن بناء الإنسان الواعي سيظل هو الأساس الحقيقي لأي نهضة.
نعم ؛ سيظل الجهل والخرافة موجودين دائمًا، لأنهما جزء من الطبيعة البشرية، ولكن المجتمعات لن تتقدم الا حين يصبح صوت العلم والحكمة أعلى من صوت الخرافة.










