إنه شعب عريق عميق ضارب بجذوره في التاريخ ، يقول البعض إنها حضارة. سبعة آلاف عام ، ويصر آخرون أنهم سبعون ألفا ، بينما يؤكد البعض أنها سبعمائة ، إنهم المصريون ، أكثر كتلة بشرية مكثت متشاركة أرض هذا الوادي الخصيب ، وحول هذا النهر الخالد ، فاستطاعت أن توفر لنفسها قاموساً خاصاً من بلاغة المعاني ، في جمل موجزة ناجزة دقيقة ، تصيب المعني مثل رصاصة قناص مُحترف ، بينما لايزيد بناؤها عن كلمتين اثنتين !!.
فتعالوا نتأمل معاً يا سادتي ما استطعت الوقوع عليه ، وهو نذر يسير من فيض هادر ، فتراهم يقولون : الصيف كيف .. الدفا عفا .. النوم سلطان .. الجوع كافر .. الغُربة تُربة ( يعني مقبرة ) ..الزمن دوار ( يوم لك ويوم عليك ) .. الدين مذلة .. الليل ستار .. النهار فضاح .. البعد جفا ( قلة التواصل تخلق الجفوة والقسوة ) .. اللقا نصيب .. السعد وعد .. الشرف كلمة .. الموت عبرة !!.
وفي عالم الأسرة والأهل والرفاق تراهم يقولون : الولد وتد .. الأخ سند .. الخال والد .. الأم بستان .. الصاحب ساحب ( يعني الصديق يتبع أخلاق صديقه ، فلا تسل عن المرء وسل عن قرينه ، فكل قرين بالمُقارِن يقتدي ) !!.
فإذا ما نقبنا عما يعكس قناعاتهم الدنيوية ، وميثاق معيشتهم الحياتية ، رأيتهم شعباً حساساً ذواقة مرهف المشاعر ، فهاهم يقولون لك ( لاقيني ولا تغديني ) ، يعني استقبلني بكلمة طيبة ، ولايهم بعدها أن تطعمني مالذ وطاب ، لأن في نظرهم ( بصلة المُحب خروف ) !!.
أما في دنيا القناعة والرضا ، ومواجهة تقلبات الزمن ، والفجوات الطبقية الحادة ، فهم يواسون أنفسهم قائلين : قيراط حظ ولا فدان شطارة .. اجري يابن آدم جريّ الوحوش ، غير رزقك لن تحوش .. ثم يبدعون في تقبل واقع الحياة مهما كان مُرا : من كان عنده العيش وبله ، عنده الرزق كله .. من كان عنده العيش ، يبقي الملح بشرقة ( وبشرقة تعني زيادة في النعمة ورفاهية وبذخ ) !!.
وعندما تريد أن تضللهم ، فإنهم ينبهونك إلي عدم منطقية ماتقول ، وعدم تقبلهم له ( خلي اللي بيتكلم أهبل ، والمستمع عاقل ) فيعيدونك إلي جدة صوابك !!.
ألم أقل لكم سادتي بأنه شعب عتيق أروبه ؛ حيثما مددت يدك في أعماقه أخرجت لآلئ ودررا ، وحكماً ومواعظ ، ومواثيق موجزة إيجازاً عبقريا ، تدهشك معانيها وتبهرك مراميها !!.










