عندما يصبح الموت منصة لتصفية الحسابات والتنظير
الموت هو اللحظة الأشد جلالاً ومهابة في الوجود الإنساني؛ لحظة تفرض على الجميع الصمت، والتأمل، والخشوع، ومع تحول منصات التواصل الاجتماعي والساحات الثقافية إلى حلبات للاستعراض، ظهرت ظاهرة مؤسفة تشوه قدسية هذا الفن: استغلال الموت كأداة للدعاية، والتنظير، والتلاسن بين الزملاء.
متدثراً بعباءة الحزن الزائف ليصفّي حسابات شخصية أو أدبية.
انفصام الأقنعة: من المديح النفعي إلى الهجاء
الأشد إيلاماً وسخرية في هذه المشهدية المشوهة هو ذلك التحول الفج في المواقف؛ فبالأمس القريب، كان هذا الأديب نفسه يكيل الثناء لهؤلاء الزملاء أنفسهم، يرفعهم إلى عنان السماء ويدبج في حقهم عبارات التبجيل والصداقة . ولكن، ما إن تعارضت المصالح الشخصية، وضاق حيز المكاسب الذاتية، حتى تبدلت النبرة وانقلبت الآية رأساً على عقب.
العجيب والمخيف هنا، أن هذا الهجوم والتلاسن لا يأتي فجاً عارياً، بل يُصاغ بأسلوب أدبي بليغ، وتُسخر له أدوات البلاغة والبيان. يُغلف الهجاء المر والسخرية اللاذعة برداء من الفصاحة والوقار، وكأن البلاغة أصبحت سلاحاً مسموماً يُمرر من خلاله الأديب أحقاده الضيقة. إنها عملية طعن معنوي مغسولة بماء الوعظ.
صيد الأخطاء فوق جثامين الراحلين
ومن تجليات هذه الظاهرة أيضاً، تحول الأديب من مؤبّن باهتزاز وجداني إلى “قاضٍ أخلاقي” أو “مفتش عام” على تصرفات زملائه وأصدقائه. تجده يتصيد أخطاء الآخرين.
إن استخدام فاجعة الموت كدرع لحماية الهجوم الشخصي هو خسة فنية وإنسانية؛ فالشاعر يعلم أن الطرف الآخر قد يجد حرجاً في الرد وسط أجواء العزاء والمواساة، فيستغل هذا الصمت الأخلاقي المفرط ليمارس اغتيالاً معنوياً لزملائه تحت شعار “الحزن على الفقيد”.
الحزن ليس استعراضاً
ليس من حق الأديب أن ينصب من نفسه وصياً على تصرفات أصدقائه، ولا أن يجعل من فاجعة الموت مادة “للدعاية الشخصية” أو سوطاً يجلد به من كانوا بالأمس أصدقاءه، فقط لأن المصالح قد تغيرت.
الرحيل يطالبنا بالترفع، وبأن نترك الضجيج والابتذال وأمراض النفوس جانبًا.
في النهاية، يرحل الموتى بنقائهم، ويبقى الأحياء بمواقفهم. والكاتب الذي يظن أنه بذكائه الأدبي قادر على تمرير أحقاده وتصفية حساباته تحت سِتار الفجيعة، ينسى أن القارئ يملك حساً نقدياً يُميز به بين دمعة الوفاء الصادقة، وبين حبر المصلحة الملوث بالضجيج والابتذال. فالنص الذي لا ينبض بالنزاهة والترفع هو مجرد رماد تذروه الرياح، ولا يترك خلفه سوى نقطة سوداء في سجل صاحبه.










