مشروع الدلتا الجديدة انجاز تنموي عظيم ، لاينكر ذلك إلا جاحد ( استصلاح وتوصيل المياه وزراعة مايقرب من مليونين ونصف المليون فدان ) ، لكن لماذا لايشعر الناس به ، ناهيك علي أنهم لم يفرحوا ، ذلك الفرح الذي كان يمكن أن يلقاه مشروع أقل منه بكثير في زمن مضي ، فلقد غنينا لما هو دون ذلك ، مثل مديرية التحرير والصالحية : ( تفوت علي الصحرا تخضر ) وغنينا : ( ياصحرا المهندس جيّ ) ، ولن أقارن طبعاً بالغناء والاحتفاء بالسد العالي ، وبتوزيع الأرض علي صغار الفلاحين !!.
فلماذا قوبل هذا المشروع الزراعي الضخم ببرود ملفت ، بل كثير من الناس لم يشعروا به ، ولا يعرفونه !!.
حتي الإعلام الحكومي ولاعبيه ، ظلوا لساعات طويلة يصرخون في الناس ، ويقلبون في الموضوع من كل جوانبه ، وكأنهم يستحثونهم علي الفرح ، أو كأنهم يقولوا لنا لابد أن تفرحوا ، مالكم لا تفرحون !!.
وانشغلت كثيراً بالأمر ، وتدبرته مليا ، فأدركت أن المواطن المصري قلبه مربوط بجيبه ، وجيبه خاوٍ مثل معبد بوذي تصفر فيه الريح ، أينما التفت واجه عجزه عن تحقيق ما يتمني ، أو يرجو !!.
يدفع دم قلبه وشقا عمره ، لكيّ يتعلم أبناؤه ، ثم تصدمه حسرة بقائهم معه في البيت دون عمل ولا أمل ، وبعضهم تصور يوماً أن التحاقه بكليات القمة ، يمكن أن يستثنيه من البطالة والعطالة ، فإذا به أكثرهم يأساً وقنوطا وتحنيطا !!.
يري آلاف المساكن التي تُبني في كل بقعة من أرض الوطن ، فيستبشر خيراً ، ويأمل في شقة أو مسكن يأويه أو يزوج فيه واحداً من أبنائه ، فإذا بالأرقام تصفعه ، وبالأسعار تركله بعيداً ، لكيّ يتقدم الأثرياء فيستولوا عليها ، وهو لايملك إلا الحسرة والحزن ، والمسؤولون لا ينفكون يروجون بأن كل تلك المساكن قد بنيت لخاطره ، ومن أجل سواد عيونه !!.
يُصاب بالدوار ، وأسعار السلع الأساسية تطارده ، وقد تُرك وحيداً يواجه جشع التجار ، تنهشه وتمتص دماءه ، وتستولي علي آخر جنيه في حوزته ، أما الخدمات – والحكومية منها خاصة – فهي ضرب من ضروب النصب والاحتيال والابتزاز ، وشكل من أشكال الإتاوة ، وكأن المواطن دخل إلي بيت الرعب ، حين ينتقل من فاتورة الكهرباء ، إلي فاتورة الغاز ، إلي قيمة الانترنت ، إلي المرور لاستخراج رخصة أو فحص سيارة أو دفع مخالفات لم تحدث أصلا ، إلي رسوم سيره علي الطريق ، إلي الضرائب التي طالت حتي مسكنه الخاص ، إلي ارتفاع أسعار المحروقات !!.
هذا المناخ النفسي شديد الاحتقان ، الذي يحاصر المواطن المصري ، ويكاد يطبق علي أنفاسه ، حد الاختناق ، هو السبب الرئيسي في عدم شعوره بالفرح والسعادة والبهجة ، واستقباله لمشروع الدلتا الجديدة – رغم ضخامته وعظمته – ببرود ولامبالاة وتجاهل مؤسف ، جعلني أشفق علي الذين قاموا بانجاز هذا المشروع التنموي الحضاري الرائع والكبير !!.










