كان الخليفة العباسي الأشهر { هارون الرشيد } مُحباً للعلم ، مُقدراً للعلماء ، ولهذا كان يطلب من ولديه { الأمين والمأمون } أن يحملا حذاء مُعلمهما ، كلما جاء إلي القصر أو غادره ، ولهذا أيضاً رفض اختيار ولده { المعتصم } ولياً للعهد ، لأنه كان بليداً ينفر من التعليم ويتهرب من جلسات الدرس ، واختار مكانه ولده { المأمون } ؛ لكونه – كما قال الرشيد – حازم الرأي حكيم ، في سماته أخلاق الملوك !!.
وكان الآباء في جيلنا نحن يقدرون المعلم ويقدسونه ، ويقفون له احتراماً عند مروره في الطرقات ، فإذا ما عاقب معلم تلميذاً له ، ثم شكا هذا التلميذ لوالده ، إذا بالوالد يقمعه ويوبخه ، بل ويطلب من المعلم مضاعفة العقاب له !!.
وكنت إذا ما أخطأت ، أو ارتكبت حماقة ، كانت أمي تسارع لتشكوني إلي شيخي الذي أحفظ علي يديه القرآن الكريم ، فيمسك الشيخ الضرير بأذني بأطراف أصابعه ، ويشدها بعنف ، ويفركها منذراً ، بينما أمي واقفة تشهد حفلة تعذيبي وتأديبي مبتسمة ، ومُمتنة لشيخي جميل صنعه !!.
كان للمعلم صلاحية فوق صلاحية الأب ، في تأديبنا وتربيتنا وتهذيبنا !!.
لم يكن هناك وليّ أمر اقتحم مدرسة ، وانهال ضرباً بالحذاء علي معلم ، في طابور الصباح ، لمجرد أن هذا المعلم عاقب ابنه ، كما حدث في هذا الزمان الأغبر !!.
ولا ولية أمر أقسمت أن تصفع معلمة داخل الفصل ، ثأراً منها وقصاصاً ، لأنها صفعت ابنتها التلميذة عندها !!.
لم يكن أولياء أمورنا يعرفون طريق الشكوي للوزير ، ولا الفاكسات المستعجلة ، ولا الجروبات التي تهين المعلمين ، وتهددهم ، وتتوعدهم ، وتنتهك آدميتهم ، وتلصق بهم تهماً شنيعة !!.
ولا كانوا يفكرون – مجرد تفكير – في إهانة المعلم ، أو حتي عتابه ، لو عاقب تلميذاً ، مهمابلغت قساوة هذ العقاب !!.
عندما تتغير نظرة وليّ الأمر للمعلم ، فتتسم بالتوقير والاجلال ، سوف يرغم بالتالي ابنه التلميذ علي هذا التوقير والاجلال لمعلمه ، طوعاً منه أو كرها !!.
لذا ، يلزم علينا أولاً أن نربي أولياء الأمور ، وأن نستعيد ما للمعلم من مكانة وقداسة في عيونهم وعقولهم ، وردود أفعالهم ، قبل أن نطالبه بتربية أبنائهم وتعليمهم !!.










