هناك أشخاص لم تصنعهم الأيام السهلة، بل صنعتهم الشدائد.
أناس دخلوا معارك لم يختاروها، وتحملوا أوجاعًا لم يتسببوا فيها، وساروا في طرقٍ مليئة بالعثرات، لكنهم خرجوا منها أكثر قوة ووعيًا مما كانوا.
فالشدائد لا تمر على الإنسان مرورًا عابرًا، بل تترك أثرها في روحه وفكره ونظرته للحياة.
إنها تغير أشياء كثيرة بداخلنا، تجعلنا أقل اندفاعًا وأكثر حكمة، أقل ثقة في الكلمات وأكثر إيمانًا بالأفعال، وأقل تعلقًا بالبشر وأكثر تعلقًا بالله.
لقد علمتنا الشدائد أن السقوط ليس النهاية، وأن الوقوف بعد الانكسار بطولة لا يراها إلا من عاشها.
علمتنا أن بعض الأبواب حين تُغلق في وجوهنا لا تكون عقابًا، بل حماية، وأن بعض الخسائر كانت في حقيقتها نجاة مؤجلة لم ندرك حكمتها إلا بعد زمن.
كنا نظن أن القوة تعني ألا نبكي، ثم اكتشفنا أن القوة الحقيقية هي أن نبكي وننهض، أن نتألم ونواصل الطريق، أن تخذلنا الحياة مرات عديدة ونظل قادرين على المحاولة من جديد.
لقد أخذت منا الشدائد الكثير، لكنها أعطتنا ما هو أثمن.
أعطتنا خبرة لا تُشترى، وبصيرة لا تُمنح إلا بعد المعاناة، وقوة لا يعرف قيمتها إلا من خرج من العاصفة وهو يحمل آثارها على قلبه.
ولهذا لا تحزن على ما غيرته الشدائد فيك.
فربما لم تجعلك شخصًا أسعد، لكنها جعلتك شخصًا أقوى، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على التمييز بين من يحبك حقًا ومن كان مجرد عابر في حياتك.
نحن لسنا الأشخاص الذين كناهم بالأمس،
فالشدائد أعادت تشكيل أرواحنا، وعلمتنا أن ننظر إلى الأمام مهما كان الطريق طويلًا، وأن نؤمن بأن بعد كل عسر يسرًا، وبعد كل ظلمة نورًا، وبعد كل سقوط بداية جديدة.










