الأربعاء , 28 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. ما أكذب الشكل !!

العام ١٩٧١م ، ومهرجان الشعر العربي في الموصل العراقية ، والحضور فطاحل شعراء العربية ونجومها الزاهرة : نزار قباني والجواهري ومحمود درويش والبياتي وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم ، ولست أدري كيف احتملتهم القاعة العريقة !!.
يدعو مذيع الحفل شاعراً ، قيل أنه جاء من اليمن السعيد كيّ يمثله ، لا أحد يزعم أنه سمع باسمه قبل اليوم ، هَبَّ رجل أعمي رث الثياب ، لولم تعرفه لحسبته متسولاً أخطأ الطريق إلي مجاورة هؤلاء الكبار أصحاب الأناقة واللباقة ، وشق طريقه بين الصفوف إلي المنصة ، يحمل وجهاً حرثه الجدري اللعين ، وشعراً أشعث ، ومعالم فقر مدقع ، ولما طلب كوباً من الماء شربه ومسح فمه بطرف كم قميصه ، فسرت همهمة بين الحضور أقرب إلي السخرية !!.
لكنه ما أن انتهي من إلقاء أربعة أبيات من قصيدته الرائعة الطويلة ذائعة الصيت عن [ أبي تمام وعروبة اليوم ] ، حتي تجمد الحضور في أماكنهم ، واشرأبت الرؤوس والأعناق ، وشخصت الأبصار ، وجحظت العيون وحملقت ، ودوي تصفيق حاد متواصل كاد ألا ينتهي !!.
لقد كانت لحظة انطلاق شهاب ساطع في سماء الإبداع العربي ، وكان الشاعر اليمني العظيم { عبد الله البردوني } !!.
كان المظهر خادعاً ، فلما استبان الجوهر ظهرت القيمة الحقيقية !!.
وما أكثر ما يخدعنا المظهر اليوم ، وما أكثر مايكذب الشكل في زمن تستطيع المادة فيه أن تصنع غلافاً براقاً ، يأخذ بألباب البسطاء ، فيقولون كما قال قوم قارون ( ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) !!.
ودخل رجل مهاب الطلة ، حفيل الهيئة ، علي مجلس الإمام { أبي حنيفة النعمان } ، وكان أبو حنيفة قد اعتاد أن يجلس ممدداً رجليه لتعب فيهما ، فلما دخل الرجل الغريب المهاب ضم الإمام رجليه احتراما له !!.
ثم استرسل في درسه ، فإذا بالرجل يسأل الإمام سؤالاً تافهاً ، يدل علي غبائه وحماقته وضيق أفقه ، فما كان من الإمام إلا أن قال : ( لقد آن للإمام أن يتمدد ) ، ثم أطلق رجليه ممدا !!.
فاحرص – ياصديقي – علي ألا تبدي مشاعر متعجلة لهيئة إنسان أو شكله أو مظهره ، أو مايحيط به من هالة مصطنعة ، وانتظر حتي تختبر جوهره ، فما أكثر السراب في زماننا هذا ، وما أكثر الخداع والزيف ، وما أكذب الشكل !!.

شاهد أيضاً

عمرو عبد الغفار يكتب.. «اعمل في صمت وأحدث أثرًا لا يُنسى».. النجاح الحقيقي أن تترك أثرًا لا مجرد صورة

بعد أن يتعلم الإنسان كيف ينهض من السقوط، ويعيد بناء نفسه، ويتحرر تدريجيًا من حاجته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *