العام ١٩٧١م ، ومهرجان الشعر العربي في الموصل العراقية ، والحضور فطاحل شعراء العربية ونجومها الزاهرة : نزار قباني والجواهري ومحمود درويش والبياتي وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم ، ولست أدري كيف احتملتهم القاعة العريقة !!.
يدعو مذيع الحفل شاعراً ، قيل أنه جاء من اليمن السعيد كيّ يمثله ، لا أحد يزعم أنه سمع باسمه قبل اليوم ، هَبَّ رجل أعمي رث الثياب ، لولم تعرفه لحسبته متسولاً أخطأ الطريق إلي مجاورة هؤلاء الكبار أصحاب الأناقة واللباقة ، وشق طريقه بين الصفوف إلي المنصة ، يحمل وجهاً حرثه الجدري اللعين ، وشعراً أشعث ، ومعالم فقر مدقع ، ولما طلب كوباً من الماء شربه ومسح فمه بطرف كم قميصه ، فسرت همهمة بين الحضور أقرب إلي السخرية !!.
لكنه ما أن انتهي من إلقاء أربعة أبيات من قصيدته الرائعة الطويلة ذائعة الصيت عن [ أبي تمام وعروبة اليوم ] ، حتي تجمد الحضور في أماكنهم ، واشرأبت الرؤوس والأعناق ، وشخصت الأبصار ، وجحظت العيون وحملقت ، ودوي تصفيق حاد متواصل كاد ألا ينتهي !!.
لقد كانت لحظة انطلاق شهاب ساطع في سماء الإبداع العربي ، وكان الشاعر اليمني العظيم { عبد الله البردوني } !!.
كان المظهر خادعاً ، فلما استبان الجوهر ظهرت القيمة الحقيقية !!.
وما أكثر ما يخدعنا المظهر اليوم ، وما أكثر مايكذب الشكل في زمن تستطيع المادة فيه أن تصنع غلافاً براقاً ، يأخذ بألباب البسطاء ، فيقولون كما قال قوم قارون ( ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) !!.
ودخل رجل مهاب الطلة ، حفيل الهيئة ، علي مجلس الإمام { أبي حنيفة النعمان } ، وكان أبو حنيفة قد اعتاد أن يجلس ممدداً رجليه لتعب فيهما ، فلما دخل الرجل الغريب المهاب ضم الإمام رجليه احتراما له !!.
ثم استرسل في درسه ، فإذا بالرجل يسأل الإمام سؤالاً تافهاً ، يدل علي غبائه وحماقته وضيق أفقه ، فما كان من الإمام إلا أن قال : ( لقد آن للإمام أن يتمدد ) ، ثم أطلق رجليه ممدا !!.
فاحرص – ياصديقي – علي ألا تبدي مشاعر متعجلة لهيئة إنسان أو شكله أو مظهره ، أو مايحيط به من هالة مصطنعة ، وانتظر حتي تختبر جوهره ، فما أكثر السراب في زماننا هذا ، وما أكثر الخداع والزيف ، وما أكذب الشكل !!.










