تُعَدُّ جُمْهُورِيَّةُ مِصْرَ العَرَبِيَّةُ وَالجُمْهُورِيَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ الإِيرَانِيَّةُ رَكِيزَتَيْنِ إِقْلِيمِيَّتَيْنِ عُظْمَيَيْنِ، تَحْظَيَانِ بِنُفُوذٍ جِيُوسِيَاسِيٍّ، وَثَقَافِيٍّ، وَدِينِيٍّ، وَفَنِّيٍّ وَاسِعِ المَدَى فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ.
وَرَغْمَ مَا شَابَ العَلَاقَاتِ الثُّنَائِيَّةَ مِنْ خِلَافَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ وَسُوءِ فَهْمٍ، إِلَّا أَنَّ فُرَصَ تَطْوِيرِهَا تَبْقَى وَاعِدَةً وَقَابِلَةً لِلتَّحْقِيقِ إِذَا مَا تَوَفَّرَتِ الإِرَادَةُ السِّيَاسِيَّةُ؛ وَلَعَلَّ المَبَادَرَةَ الإِيرَانِيَّةَ فِي عَامِ 2004 بِإِلْغَاءِ تَسْمِيَةِ الشَّارِعِ المَنْسُوبِ إِلَى خَالِدِ الإِسْلَامْبُولِي (مُغْتَالِ الرَّئِيسِ الرَّاحِلِ مُحَمَّد أَنْوَر السَّادَات، رَحِمَهُ اللَّهُ) وَاسْتِبْدَالِهَا بِـ “شَارِعِ الثَّوْرَةِ”، كَانَتْ خُطْوَةً رَمْزِيَّةً مُهِمَّةً نَحْوَ تَفْكِيكِ عُقَدِ المَاضِي.
وَيُمْكِنُ لِأُفُقِ التَّعَاوُنِ الاِقْتِصَادِيِّ أَنْ يُشَكِّلَ الرَّافِعَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ العَلَاقَاتِ، عَبْرَ تَبَادُلٍ تِجَارِيٍّ مُكَثَّفٍ، وَتَنْشِيطِ حَرَكَةِ السِّيَاحَةِ الإِيرَانِيَّةِ لِلْمَوَاقِعِ الأَثَرِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ فِي مِصْرَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَمْتَلِكُ الدَّوْلَتَانِ مُقَوِّمَاتٍ تَكَامُلِيَّةً فَرِيدَةً:
- مَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَدِّمَهُ إِيرَانُ: تَصْدِيرُ النَّفْطِ وَالْغَازِ، وَالْمُنْتَجَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ الْمُمَيَّزَةِ كَالْفُسْتُقِ وَالْمُكَسَّرَاتِ بِأَسْعَارٍ تَنَافُسِيَّةٍ، فَضْلًا عَنْ نَقْلِ خِبْرَاتِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فِي مَجَالَاتِ تِكْنُولُوجْيَا النَّانُو (النَّانُوتِكْنُولُوجْيَا) وَالطَّاقَةِ النَّوَوِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ.
- مَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَدِّمَهُ مِصْرُ: تَصْدِيرُ الْأَدْوِيَةِ وَالْمُسْتَلْزَمَاتِ الطِّبِّيَّةِ الَّتِي تَتَمَيَّزُ فِيهَا الصِّنَاعَةُ الْمِصْرِيَّةُ، إِضَافَةً إِلَى السِّلَعِ الزِّرَاعِيَّةِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ كَالْقُطْنِ طَوِيلِ التِّيلَةِ، وَالْأُرْزِ، وَالْحِمْضِيَّاتِ، وَالْبَطَاطِسِ، وَالْبَصَلِ، بِجَانِبِ صِنَاعَةِ النَّسِيجِ وَالْمَلَابِسِ الْجَاهِزَةِ، وَالْمُنْتَجَاتِ الْغِذَائِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ كَالزُّيُوتِ النَّبَاتِيَّةِ، وَالسُّكَّرِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالْعَصَائِرِ.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَبْرُزُ الْمَوْقِعُ الْجُغْرَافِيُّ الْاِسْتْرَاتِيجِيُّ لِمِصْرَ وَقَنَاةُ السُّوَيْسِ كَمِيزَةٍ تَنَافُسِيَّةٍ كُبْرَى، تُمَكِّنُ الْقَاهِرَةَ مِنْ تَقْدِيمِ خِدْمَاتٍ لُوجِسْتِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ لِتَسْهِيلِ نَفَاذِ الْبَضَائِعِ الْإِيرَانِيَّةِ إِلَى الْأَسْوَاقِ الْأُورُوبِّيَّةِ وَالْأَفْرِيقِيَّةِ.
هَذَا التَّعَاوُنُ يَجْعَلُ مِنْ مِصْرَ بَوَّابَةَ إِيرَانَ نَحْوَ إِفْرِيقْيَا وَأُورُوبَّا، فِيمَا تُمَكِّنُ إِيرَانُ مِصْرَ مِنَ الوُلُوجِ إِلَى أَسْوَاقِ آسْيَا الوُسْطَى، مِمَّا يُحَقِّقُ مَصَالِحَ مُشْتَرَكَةً تَتَقَاطَعُ مَعَ مُبَادَرَةِ “الحِزَامِ وَالطَّرِيقِ” الصِّينِيَّةِ.
وَرَغْمَ هَذِهِ الْآفَاقِ الْوَاعِدَةِ، تَقِفُ جُمْلَةٌ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ فِي طَرِيقِ هَذَا التَّقَارُبِ، وَيَأْتِي عَلَى رَأْسِهَا:
●العُقُوبَاتُ الأَمْرِيكِيَّةُ: الَّتِي قَدْ تُعِيقُ التَّبَادُلَ التِّجَارِيَّ الكَامِلَ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا بِالِاسْتِفَادَةِ مِنْ تَجَارِبِ دُوَلٍ آسِيَوِيَّةٍ نَجَحَتْ فِي بِنَاءِ شَرَاكَاتٍ تِجَارِيَّةٍ ضَخْمَةٍ مَعَ طَهْرَانَ.
●التَّنَافُسُ الإِقْلِيمِيُّ: وَتَحْدِيدًا مَعَ قُطْبَيْنِ كَبِيرَيْنِ كَتُرْكِيَا وَالسُّعُودِيَّةِ؛ حَيْثُ يُشَكِّلُ الْمَوْقِفُ السُّعُودِيُّ عَامِلًا مُؤَثِّرًا فِي حَالِ حُدُوثِ تَصْعِيدٍ سِيَاسِيٍّ، أَوْ إِعْلَامِيٍّ، أَوْ عَسْكَرِيٍّ يَنْعَكِسُ عَلَى الْحِسَابَاتِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ التَّحَدِّي الْخَلِيجِيِّ كَانَتْ تَبْدُو أَقَلَّ حِدَّةً مِمَّا يُشَاعُ؛ فَالْعَلَاقَاتُ الْإِيرَانِيَّةُ مَعَ دُوَلٍ مِثْلِ قَطَرَ، وَالْإِمَارَاتِ، وَالْكُوَيْتِ، وَسَلْطَنَةِ عُمَانَ هِيَ عَلَاقَاتٌ جَيِّدَةٌ بِالْفِعْلِ، بِاسْتِثْنَاءِ تِلْكَ الْفَتْرَةِ الْحَالِيَّةِ الَّتِي تَشْهَدُ بَعْضَ التَّبَدُّلَاتِ.
كَمَا أَنَّ دَوْلَةَ الْكُوَيْتِ وَمَسْقَطَ كَانَتَا تُبْدِيَانِ فِيمَا مَضَى حَمَاسًا مَلْحُوظًا لِعَوْدَةِ الْعَلَاقَاتِ الْمِصْرِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ كَجُزْءٍ مِنْ تَعْزِيزِ التَّكَامُلِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَكَانَ ذَلِكَ يَتَزَامَنُ مَعَ مُؤَشِّرَاتٍ إِيجَابِيَّةٍ لِتَحَسُّنِ الْعَلَاقَاتِ السُّعُودِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ نَفْسِهَا، مَدْفُوعَةً بِالسِّيَاسَاتِ الْإِصْلَاحِيَّةِ فِي طَهْرَانَ، وَمَسَاعِي التَّهْدِئَةِ مِنَ الْمُرْشِدِ الْأَعْلَى السَّابِقِ، بِالتَّوَازِي مَعَ الرُّؤْيَةِ التَّحْوِيلِيَّةِ وَالْإِصْلَاحَاتِ الَّتِي يَقُودُهَا وَلِيُّ الْعَهْدِ السُّعُودِيُّ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ.
وَعَلَى الصَّعِيدِ الدِّينِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، يُمْكِنُ تَجَاوُزُ التَّبَايُنَاتِ بَيْنَ النَّمُوذَجِ المِصْرِيِّ (المُنْفَتِحِ ثَقَافِيًّا وَالصُّوفِيِّ نَزْعَةً) وَالنَّمُوذَجِ الإِيرَانِيِّ (الشِّيعِيِّ المَحْكُومِ بِالقَانُونِ الدِّينِيِّ)، وَذَلِكَ عَبْرَ الِالْتِزَامِ الصَّارِمِ بِمَبْدَأِ اِحْتِرَامِ السِّيَادَةِ الوَطَنِيَّةِ وَعَدَمِ التَّدَخُّلِ فِي الشُّؤُونِ الدَّاخِلِيَّةِ.
كَمَا أَنَّ تَطْبِيعَ الْعَلَاقَاتِ يَعْنِي التَّعَامُلَ مَعَ إِيرَانَ كَدَوْلَةٍ ذَاتِ سِيَادَةٍ عَلَى غِرَارِ رُوسْيَا أَوِ الصِّينِ، دُونَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَسَاسِيَّاتِ الْمَذْهَبِيَّةِ.
إِنَّ هَذِهِ الْمَعْضَلَةَ الْمِحْوَرِيَّةَ تَتَطَلَّبُ اتِّخَاذَ قَرَارَاتٍ حَاسِمَةٍ وَجَرِيئَةٍ لِمُوَاجَهَةِ التَّيَّارَاتِ الدِّينِيَّةِ الْمُتَطَرِّفَةِ دَاخِلَ مِصْرَ، وَالَّتِي قَدْ تَسْعَى لِتَقْوِيضِ أَيِّ تَقَارُبٍ مُحْتَمَلٍ، حِفَاظًا عَلَى الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا لِلْوَطَنِ وَتَحْقِيقًا لِلِاسْتِقْرَارِ الْإِقْلِيمِيِّ.
وَكَمَا هُوَ وَاضِحٌ، فَإِنَّ مُؤَشِّرَاتِ التَّقَارُبِ وَحُلُولِ التَّهْدِئَةِ لَمْ تَعُدْ حَبِيسَةَ الغُرَفِ المُغْلَقَةِ؛ فَالزِّيَارَةُ الرَّاهِنَةُ لِفَخَامَةِ السَّيِّدِ الرَّئِيسِ عَبْدِ الفَتَّاحِ السِّيسِيِّ —حَفِظَهُ اللهُ— إِلَى بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُجَابِهُ اسْتِهْدَافَاتٍ مُبَاشِرَةً، لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَمُجَرَّدِ لِقَاءَاتٍ بْرُوتُوكُولِيَّةٍ عَابِرَةٍ؛ بَلْ هِيَ تَحَرُّكٌ اسْتْرَاتِيجِيٌّ مَحْسُوبٌ فِي تَوْقِيتٍ بَالِغِ الحَسَاسِيَّةِ، يَتَنَاغَمُ مَعَ الدَّوْرِ المِصْرِيِّ الرَّائِدِ كَحَجَرِ زَاوِيَةٍ فِي حِفْظِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ.
وَلَعَلَّ أَبْرَزَ تَجَلِّيَاتِ هَذَا الحِرَاكِ الدِّبْلُومَاسِيِّ العَمِيقِ، مَا شَهِدْنَاهُ مِنْ لَفْتَةٍ ذَاتِ دَلَالَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ بَارِزَةٍ فِي الثَّانِي مِنْ يُونْيُو 2025؛ حَيْثُ تَجَسَّدَتْ مَسَاعِي الحِوَارِ فِي مَأْدُبَةِ عَشَاءٍ جَمَعَتْ وَزِيرَ خَارِجِيَّةِ إِيرَانَ بِثُلَّةٍ مِنْ أَعْلَامِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ المِصْرِيَّةِ وَوُزَرَائِهَا السَّابِقِينَ: السَّيِّدِ عَمْرِو مُوسَى، وَالسَّيِّدِ نَبِيلِ فَهْمِي، وَالسَّيِّدِ مُحَمَّدِ العُرَابِيِّ، وَذَلِكَ فِي رِحَابِ مَطْعَمِ “نَجِيبِ مَحْفُوظٍ” العَرِيقِ بِقَلْبِ خَانِ الخَلِيلِيِّ.
هُنَاكَ، دَارَ نِقَاشٌ مُسْتَفِيضٌ حَوْلَ مُسْتَقْبَلِ العَلَاقَاتِ بَيْنَ القَاهِرَةِ وَطَهْرَانَ وَمِلَفَّاتِ المِنْطَقَةِ، بِمَا يَعْكِسُ رَغْبَةً حَثِيثَةً فِي تَقْرِيبِ وُجُهَاتِ النَّظَرِ، وَبِنَاءِ جُسُورٍ كَفِيلَةٍ بِتَفَادِي أَيِّ تَصْعِيدٍ عَسْكَرِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ تَتَجَاوَزُ مُعَدَّلَاتُهُ مَا شَهِدَتْهُ الأَيَّامُ المَاضِيَةُ. - الباحث في الشؤون السياسية










