الطب من أشرف المهن وأعظم الرسالات الإنسانية فهو المهنة التى يرتبط فيها العلم بالرحمة والخبرة والأمانة والمصلحة العامة بإنقاذ الأرواح ولذلك ظل الطبيب عبر التاريخ يحظى بمكانة خاصة وأحترام كبير فى نفوس الناس بإعتباره صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب مهنة
لكن المؤسف أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور ظواهر دخيلة على المجتمع الطبى شوهت صورة هذه المهنة العظيمة وأفقدت بعض المواطنين الثقة فيمن يفترض أنهم حراس صحتهم وأمنهم الجسدى
ففى كثير من الشوارع أصبحت لافتات العيادات أقرب الى لوحات إعلانية ضخمة منها الى تعريف مهنى محترم عشرات الألقاب والشهادات والزمالات والجميعات الدولية تتصدر الواجهة حتى يخيل للمواطن البسيط أنه يقف أمام أعظم علماء الطب فى العالم وعندما يدقق الانسان فى بعض هذه المسميات يكتشف أن بعضها لا يتجاوز عضويات مهنية متاحة للجميع أو دورات تدريبية قصيرة أو زيارات عابرة لمؤسسات علمية يتم تضخميها وتقديمها للناس بإعتبارها إنجازات استثنائية .
المشكلة ليست فى الحصول على العلم أو السعى للتطوير بل فى استغلال هذه المسميات لخداع المرضى وايهامهم بقدرات وخبرات قد لا تكون موجودة على أرض الواقع فالمريض عندما يتوجه الى الطبيب يكون فى أضعف حالاته النفسية والجسدية ويبحث عن الأمان والثقة قبل أى شىء أخر ومن غير المقبول استغلال هذا الضعف لتحقيق مكاسب مادية أو دعائية .
والآخطر من ذلك أن عصر وسائل التواصل الاجتماعى فتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من الدجل الطبى فأصبح البعض يقدم نفسه خبيرا عالميا أو مكتشفا لعلاجات ثورية دون أى سند علمى حقيقى بينما تنتشر مقاطع الفيديو المليئة بالمبالغات والخرافات والوصفات الوهمية التى قد تؤدى فى بعض الأحيان الى كوارث صحية حقيقية
لقد رأينا نماذج لأشخاص أدعوا القدرة على علاج أمراض مزمنة ومستعصية بطرق تفتقر الى أبسط قواعد العلم ورأينا أخرين يقدمون أنفسهم للجمهور بإعتبارهم متخصصين فى مجالات لا يمتلكون فيها أى مؤهل علمى معترف به والمصيبة أن بعض المرضى يصدقون هذه الادعاءات بسبب ضعف الرقابة أو غياب الوعى الكافى
كما أن هناك ممارسات أخرى لا تقل خطورة عن الدجل الصريح منها المبالغة فى طلب التحاليل والفحوص دون ضرورة طبيبة حقيقية أو تحويل المريض الى مصدر للربح فقط أو التعامل معه بتعال واستعلاء وكأن الطبيب يمن عليه بالعلاج من ماله الخاص لا من علمه الذى أقسم أن يسخره لخدمة الانسان
ان الطبيب الحقيقى لا يقاس بحجم لافتته ولا بعدد ظهوره الإعلامى ولا بعدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعى وأنما يقاس بعلمه واخلاقه ونزاهته واحترامه لمرضاه وزملائه فكم من طبيب يعمل فى صمت داخل مستشفى حكومى أو جامعة مصرية ويقدم خدمات جليلة للمرضى دون ضجيج أو دعاية أو استعراض وكم من طبيب أخر انفق الملايين على الترويج لنفسه بينما لا يملك من العلم والخبرة مايبرر هذه الضجة المصطنعة
أن حماية المهنة مسئوولية جماعية تبدأ من الجهات الرقابية والنقابات المهنية ولا تنتهى عند الاطباء الشرفاء الذين يجب أن يكون لهم موقف واضح من هذه التجاوزات فالصمت على الخطأ يمنحه شرعية والتغاضى عن الدجل يفتح الباب أمام انتشاره والتهاون مع المتاجرين بألام الناس يهدد سمعة الطب بأكمله
ولا نبالغ أذ قلنا إن صحة المواطنين أصبحت تقتضى حملة حقيقية لتطهير المجال الطبى من كل أشكال الخداع والادعاء والاستغلال حفاظا على هيبة المهنة وثقة المرضى وحق المجتمع فى خدمة طيبية قائمة على العلم والاخلاق والضمير
قالطب ليس تجارة والمريض ليس مشروعا استثماريا واللافتات البراقة لا تصنع طبيبا عظيما وإنما تصنعة سنوات العلم والتدريب والرحمة والصدق
ولعل الجميع يتذكر حقيقة لا مفر منها مهما بلغ الانسان من علم أو مال أو شهرة فإنه سيأتى عليه يوم يصبح فيه مريضا يحتاج الى طبيب أمين لا الى تاجر يبحث عن الربح ولا الى مدع يبحث عن الشهرة ولذلك فأن الدفاع عن اخلاقيات الطب ليس دفاعا عن الاطباء فقط بل دفاع عن المجتمع كله فمن يعبث بصحة الناس يعبث بأمن الوطن نفسه .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










