الاقتصاد الأخضر… ليس مجرد لون تُطلى به السياسات، بل هو نبضٌ جديدٌ يُحي الأرض بعد سبات، ونسيمٌ يُبدد غبار الماكينات بعد ضجيج.
هو انتزاعٌ من قبضة الاستنزاف إلى رحاب الاستدامة، وهجرةٌ من عصر الفناء إلى زمن البقاء..فإذا كان الاقتصاد التقليدي يحصد اليوم دون أن يزرع للغد، فإن الاقتصاد الأخضر يزرع اليوم ليحصد الأجيال فى الغد..فهو توازنٌ بين النمو والنماء، ووفاقٌ بين الربح والرحمة، وميزانٌ لا يميل إلا للحياة.
وإن أردنا التحوّل من اقتصادٍ بنيٍّ يلوّث الهواء ويستنزف الماء ويخنق التربة، إلى اقتصادٍ أخضرٍ يُنقي الجو ويصون المورد ويحي الأرض… فعلينا أن نبدّل الفحم بطاقة الشمس، والدخان بالهواء النقي، والهدر بالتدوير.
التحوّل ليس ترفاً نختاره، بل ضرورةً تُفرض علينا. فالبني يقدم ربحاً عاجلاً ويورّث خسارةً آجلة، والأخضر يبذر جهداً اليوم ويجني رخاءً غداً.
البني يبني مصانعاً تعلو ثم تخرب، والأخضر يبني أوطاناً تعمر ثم تثمر.
هو نقلةٌ من اقتصاد يأخذ بلا رد، إلى اقتصاد يعطي بلا حد..من صناعةٍ تُخرج الكربون فتُمرض الصدور، إلى صناعةٍ تُنتج الأكسجين فتُحي القلوب.
من استهلاكٍ ينهش الموارد كالنار في الهشيم، إلى استثمارٍ يرعى الموارد كالأم الوليد.
فالخيار واضحٌ بيّن: إما أن نبقى أسرى البني فنختنق، أو نتحرر إلى الأخضر فنتنفس.
فليس الأخضر موضة عصر، بل منقذ عصر. وليس التحوّل خسارة مال، بل ربح حياة.
فطوبى لوطنٍ زرع اليوم شجرةً، ليحصد غداً غابة. وطوبى لجيلٍ اختار أن يكون للبناء لا للخراب، وللحياة لا للفناء.
واذا سألت العلم عن البرهان، أجابك أن الاقتصاد البني لم يعد اقتصاداً، بل سكيناً تذبح مواردنا. هو اقتصاد يستنزف الماء حتى تئن الآبار، ويحرق البترول حتى تختنق السماء، ويقطع الغابات حتى تبكي الأرض، فكان الناتج: أسواق تنهار، وأسعار تشتعل، وبطالة تزداد، ومناخ يتقلب، أما الاقتصاد الأخضر، فمعادلته علمٌ وإيمان:
طاقة شمس وريح تُبدل ظلام النضوب نور وضاء.
دورة تدوير تُبدل ثقافة الهدر إلى شريعة العطاء.
نقل عام نظيف يُبدل زحام الدخان نسيم عليل.
والأرقام لا تكذب:
إن استثمر العالم 2% فقط من ناتجه في الطاقة النظيفة وكفاءة الاستخدام، انخفضت كثافة الطاقة 36% بحلول 2030، وهبطت انبعاثات الكربون من 30.6 جيجا طن إلى 20 جيجا طن بحلول 2050.
فالأخضر ليس كلفة، بل استثمار. ليس خسارة مال، بل ربح أنفاس.
واليوم، صار للتنمية اسمان: تنمية خضراء تراعي الأرض فترعاها،
وتنمية بنية/سوداء تنهب الأرض فتلعنها.
حتى الحسابات القومية تغيرت: فكل شجرة تُزرع تُحسب أصلاً للدولة، وكل غابة تُقطع تُحسب ديناً عليها…لكن يبقى السر في “الوعي”…
فالقانون وحده لا يصنع وطناً أخضر، لكن الفرد الواعي يصنعه بغرسة يد، وترشيدة ماء، واختيار منتج لا يقتل غدنا.
فإما أن نُخضّر اقتصادنا اليوم، أو يُصّحّر مستقبلنا غداً.
وقد شهد العالم خلال السنوات الماضية عدم إستقرار في أسواق الطاقة والسلع الأساسية ونقص في الأغذية العالمية وندرة في المياه مما أدى إلى وجود أزمة مالية وإقتصادية كبيرة في معظم أنحاء العالم، وتمثّل هذه التأثيرات مخاطر إقتصادية وإجتماعية وبيئية خطيرة.
ويعتبر الإقتصاد الحالي القائم في أغلب دول العالم وعلى رأسهم الدول النامية إقتصاد ملوث ومدمر للبيئة ويبالغ في إستهلاك المواد مما ينتج عنه إستهلاك الموارد الطبيعية مثل المياه والغذاء والزراعات والغابات والمعادن والبترول بطريقة مبالغ فيها جدا مما أدى إلى تغير المناخ وتدمير هذه الموارد في العالم بالاضافة إلى الأزمات العديدة المتزامنة مثل إنهيار الأسواق والأزمات المالية والإقتصادية وإرتفاع أسعار الغذاء وإرتفاع نسبة البطالة والتقلبات المناخية، ويطلق على هذا النوع الإقتصاد البني، لذلك جاء التفكير بالتحول في الإقتصاد من البني إلى الأخضر، وهو إقتصاد عالمي ذو نشاط إنساني يشمل إنتاج وتبادل وإستهلاك السلع والخدمات والبيع والتوزيع، ويجب الأخذ فيه البعد البيئي بعدم تلوث البيئة، وهي تساهم في خفض الإنبعاثات البيئية مثل غاز ثاني أكسيد الكربون وغيرها من الإنبعاثات البيئية مع تحسين أداء النقل العام وتقليص الإجهاد المائي وتحسين الأمن الغذائي وتخفيف تدهور الأراضي والتصحر.
ويعتبر الإستثمار في الصناعة الخضراء من أهم الأولويات التي ينادي بها معظم دول العالم لما لها من أهمية قصوى على صحة الإنسان مما يعود بالنفع على إنتاجه وعلى المجتمع ككل، وفي الآونة الأخيرة تنبه معظم دول العالم من خلال بعض المنظمات في التفكير الجاد والمضي قدما في هذا المجال، لذلك فإن هذه السياسات يمكن العثور عليها في أساسيات ومبادئ الإقتصاد الأخضر التي من خلالها يتم تعديل مؤشرات السوق من خلال فرض الضرائب البيئية وشهادات التلوث القابلة للتداول للفصل ما بين عملية النمو الإقتصادي وتأثيرها البيئي، وتمنع التعدي على الحريات الإنسانية من خلال تدابير القيادة لهذا النوع من الإقتصاد والسيطرة على أي من التأثيرات السلبية البيئية التي تلحق الأذى في عناصر وأنظمة البيئة والطبيعة، ويمكن من خلال التحول إلى الإقتصاد الأخضر المساعدة في نقل العالم إلى إتجاه جديد في التنمية بما يضمن الإستدامة والإستقرار في البيئة مع الإقتصاد، وتتمحور المبادئ الأساسية للاقتصاد الأخضر حول إعطاء وزن متساو للتنمية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية والإستدامة البيئية، وتلبية هذه الأهداف الثلاثة توفر أساسًا سليمًا لمعالجة نقاط الضعف في الإقتصاديات العربية وتخفيف الفقر والبطالة وتحقيق أمن غذائي وتوزيع أكثر عدالة للدخل بما يحقق إستقرارا مجتمعياً وأمنياً، والإستخدام الكفء للأصول الطبيعية من أجل تنويع الإقتصاد الذي يمثل آلية وركيزة أساسية للإقتصاد الأخضر كما يوفر مناعة في وجه تقلبات الإقتصاد العالمي بما يحقق الإستقرار الإقتصادي الغائب عن كثير من مجتمعاتنا.










