مصر وإريتريا وقعا منتصف مايو 2026 اتفاقا للتعاون المشترك في مجال النقل البحري، بحضور الرئيس أسياس أفورقي ووزيرا الخارجية والنقل المصريين، تضمن إطلاق خط شحن بحري بين موانئ الدولتين عبر البحر الأحمر، وتعزيز التعاون اللوجستي والتجاري والاستثماري بين البلدين، وتطوير مصر لميناء «عصب» وتوسعة طاقته الاستيعابية، وتشييد أرصفة تسمح باستقبال كافة السفن، إضافة لتشييد مرافق لوجستية متكاملة لتعزيز التواجد الاستراتيجي للبحرية المصرية، دعمًا للاستقرار الإقليمي.. إريتريا تعتبر أن تجاوز تطلعات إثيوبيا للبعد الاقتصادي الى مفاهيم النفوذ والمجال الحيوي، تمثل تهديدا وجوديا لأمن الدولة وكيانها السياسي، ويمتد القلق لباقي دول القرن الأفريقي بالنظر الى سعي إثيوبيا لإعادة تموضعها الإقليمي بما يتناسب وثقلها السكاني والاقتصادي.
الاتفاق تم ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهما منطقتان ترتبطان مباشرة بأمن الملاحة الدولية ومصالح مصر الاقتصادية المرتبطة بقناة السويس، درءًا للمخاوف المتعلقة باحتمال امتداد أزمة اغلاق مضيق هرمز الى باب المندب، لذلك تتكامل التسهيلات الخاصة بميناء «عصب» مع ترتيبات مصر البحرية بميناء «دوراليه» الجيبوتي.. الاعلام الدولي أعطى للموضوع بعدا إضافيا؛ حيث نقلت صحيفة «ذا ناشيونال» عن مصادر بالقاهرة أن «مصر وافقت على تطوير موانئ إريتريا وجيبوتي، ضمن حملتها لزيادة الضغط على إثيوبيا -غير الساحلية- بسبب النزاع طويل الأمد على مياه النيل».
الرؤية الإثيوبية كانت تعتقد أن استكمال تشييد السد يحسم صراعها الجيوسياسي مع مصر، لكن القاهرة كانت ترى أن السد «جزئية» ضمن منظور أوسع يضم أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لذلك احبطت محاولات إثيوبيا للنفاذ الى البحر عبر مينائي بربرة ثم مصوع، حتى بدت إثيوبيا وكأنها تخضع لحصار محكم، مما يفسر اتهام الخارجية الإثيوبية لمصر رسميا -بعد خمسة أيام من الاتفاق المصري الإريتري- بأن تحركاتها في المنطقة -خاصة بإريتريا وجيبوتي وكينيا- تبدو «كمحاولة حصار لإثيوبيا، والحد من دورها الإقليمي، ومنعها من الوصول لمنفذ بحري»، وهو هدف استراتيجي واقتصادي يحظى بأولويتها.
التنافس الجيوسياسي بين إثيوبيا ومصر قديم قدم التاريخ؛ انفصال إريتريا بموانئها 1991 وجه ضربة استراتيجية للقوة الاثيوبية الشاملة وحولها لدولة حبيسة، عندما تولى آبي أحمد الحكم 1981 حاول اقناع إريتريا بالحصول على منفذ بحري تجاري عسكري لكنها رفضت، كرر المحاولة مع صوماليلاند يناير 2024، لكن محور «القاهرة/أسمرة/مقديشو» تصدى له، وأعاد الكرة مع جيبوتي 2025، لكن الرئيس «إسماعيل عمر قيلة» أكد أن «جيبوتي لا تنوي أن تصبح “قرم” القرن الإفريقي»، آبي أحمد تحدى الجميع «وصولنا الى البحر حتمية وجودية، والحصول على المنفذ البحري لن يستغرق سنوات مثلما فقدناه في 30 عاما، إثيوبيا لن تظل دولة حبيسة»، جهوده لتشييد أسطول بحري بالتعاون مع فرنسا أجهضتها علاقات القاهرة الاستراتيجية مع باريس، فلجأ الى روسيا التي رأت في إثيوبيا شريكا مهما لتعزيز نفوذها بالمنطقة، وبدأت في تدريب ضباط البحرية الإثيوبيين في أكاديمياتها العسكرية، وساعدت في بناء هياكلها البحرية.
رؤية مصر لا تتضمن السعي للصدام رغم كل التجاوزات والاستفزازات الإثيوبية، فالمنطقة هشة بطبيعتها، لا تحتمل حربا إقليمية تطيح بأمنها وتفكك كياناتها السياسية، وتدفع بموجات هجرة تزعزع أمن دول الجوار وتصل الى أوروبا، لذلك تعتمد القاهرة على بناء التحالفات وتعزيز الشراكات الإقليمية وتوسيع حضورها الدبلوماسي والأمني، لمنع أية تغييرات في موازين القوى قد تمس مصالحها الأمنية، مع إعلان حدود موقفها بوضوح وحسم؛ وهو أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسئولية الدول المشاطئة «حصريا»، ورفض مشاركة أي دولة غير مشاطئة، وتفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر» الذي تأسس بالرياض 2020، ويضم ثماني دول عربية وأفريقية «السعودية، مصر، اليمن، الأردن، السودان، الصومال، جيبوتي، وإريتريا»، ويهدف إلى تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه.
استراتيجية مصر تستهدف ربط مينائي الإسكندرية والسويس بخطوط لوجستية بحرية وبرية تمتد بحريا لأقصى جنوب البحر الأحمر وبريا عبر السودان وصولاً إلى إريتريا، لتتصل بالممرات البرية والأسواق الأفريقية، عبر شبكة خطوط سكك حديد وبنية تحتية لوجستية مشتركة، توفر مسارات بديلة حال تعرض الملاحة البحرية لمخاطر يمكن أن تهددها، وعرضت مصر نقل خبراتها في مجالات السكك الحديدية والموانئ والنقل البحري والخدمات اللوجستية إلى إريتريا والدول الأفريقية، لدعم جهود التنمية وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول القارة، وتدفق تجارة دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى العالم عبر الموانئ المصرية.
رؤية الكيان للقرن الأفريقي تتكامل والرؤية الأمريكية؛ فالأولى تقدر أن تواجدها بصوماليلاند سيحقق فوائد عسكرية تتعلق بردع الحوثيين ومراقبة باب المندب، وتوتير الأوضاع الأمنية في القرن الأفريقي على النحو الذي يعزز فرص تنفيذ مشروع «الممر الاقتصادي» من الهند بحرا ثم عبر شبه الجزيرة العربية باتجاه موانئها برا، ومنها لأوروبا بحرا.. صحيفة «وول ستريت جورنال» كشفت أواخر أبريل أن إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات عن إريتريا، لأهمية موقعها الاستراتيجي المطل على باب المندب، وسيطرتها على 750 ميلا من سواحل البحر الأحمر، بما فيها مينائي «عصب ومصوع» الاستراتيجيين.. الاهتمام الأمريكي بإريتريا يدعم الموقف المصري ويشكلان حائط صد في مواجهة التهديدات الإثيوبية بالسيطرة على «عصب» بكل الوسائل الممكنة.
الإقليم الجنوبي يواجه ملفات ثلاث جديرة بالتسوية؛ الأول ملف البحر الأحمر الثاني ملف سد النهضة الثالث ملف العلاقات الإثيوبية/الإريترية، ومالم يتم تسوية تلك الملفات الثلاث بالطرق الدبلوماسية فسوف تدخل المنطقة في مرحلة إعادة كل القوى الإقليمية لتموضعها الاستراتيجي، لتتحدد ملامح النفوذ الإقليمي عبر أدوات خشنة قد لا تحتملها هشاشة الأوضاع بالمنطقة.










