أعادت حرب غزة وصراع المحاور اللاحق (بما في ذلك حرب إيران 2026) رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط. انتقلت التوازنات من “قواعد الاشتباك” التقليدية إلى الصراع المباشر، مما فرض واقعاً جديداً في ديناميكيات القوة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة .
غير أن العامل الأبرز في التقدير الإسرائيلي الحالي ليس فقط ما قد تفعله طهران، بل ما قد يترتب على الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز. فإسرائيل ترى في هذه الخطوة أداة ضغط قاسية قد تدفع إيران إلى ردود متسلسلة، ليس في الخليج فقط، بل عبر ساحات أخرى، وخصوصا لبنان. وتبعًا لذلك، تتعامل تل أبيب مع أي تطور في المضيق على أنه مقدمة محتملة لتصعيد إقليمي متعدد الجبهات.
ن الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وضعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام معادلة صعبة بين تحقيق إنجاز عسكري سريع يمكن تقديمه كنصر سياسي وبين تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة مكلفة اقتصاديًا وسياسيًا. ويتوقف قرار واشنطن بشأن استمرار الحرب أو وقفها على مجموعة من العوامل، أبرزها نتائج الضربات العسكرية ومدى تدمير القدرات الإيرانية، حجم الخسائر الأميركية، التأثيرات الاقتصادية العالمية خاصة في حال تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى ضغوط دول الخليج واستنزاف الذخائر الدقيقة والجدل السياسي داخل الولايات المتحدة.
بناء على هذه المتغيرات قد تتجه الإدارة الأميركية إلى أحد ثلاثة مسارات رئيسة: إعلان تحقيق إنجاز عسكري وتجميد القتال، أو استخدام الضغط العسكري لفرض تسوية دبلوماسية مع طهران، أو الانزلاق إلى تصعيد إقليمي أوسع إذا تعرضت المصالح الأميركية أو طرق التجارة الدولية إلى ضربات كبيرة. أما بالنسبة إلى إسرائيل فيرى المعهد أن استمرار الضغط العسكري يتيح فرصة استراتيجية لإضعاف القدرات الأساسية لإيران،
خصوصًا برامج الصواريخ والبنية المرتبطة بالمشروع النووي وشبكة الوكلاء الإقليميين، كما قد يعزّز التعاون الأمني مع دول الخليج في مجالات الدفاع الجوي وأمن الملاحة.
لكن الخطر الأساس يتمثل في احتمال أن تقرر الولايات المتحدة إنهاء الحرب بسرعة لأسباب سياسية أو اقتصادية، ما قد يترك إسرائيل أمام مواجهة غير مكتملة النتائج مع إيران.
لذلك، من الضروري الحفاظ على تنسيق استراتيجي وثيق مع واشنطن، والعمل على صياغة تعريف مشترك لمعنى “النصر” ونقطة التوقف في الحرب مع الاستعداد لاحتمال توقف مفاجئ للعمليات عبر تطوير خيارات عسكرية وسياسية تضمن استمرار الضغط على إيران ومنعها من إعادة بناء قدراتها.
تأثر معظم سكان الشرق الأوسط بسلسلة الأحداث التي تلت هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. فقد قتل عشرات الآلاف، معظمهم من غزة، ونزح الملايين، وتكبدت المنطقة خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. لذلك، ليس مستغربًا أن تتبدل نظرة ملايين الناس إلى ما يجري.
أظهر استطلاع «مقياس العرب» (Arab Barometer)، وهو مشروع بحثي يشارك في قيادته كاتبا المقال، تحولًا واضحًا في الرأي العام خلال الأشهر التي تلت أحداث 7 أكتوبر. فمع متابعة الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة، تصاعدت المواقف الرافضة لإسرائيل ولحليفها الرئيسي، الولايات المتحدة. كما بينت استطلاعات أُجريت في مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية وسوريا وتونس بين أغسطس ونوفمبر 2025، أي بعد حرب يونيو وقبل الجولة الأخيرة مع إيران، أن هذا التحول لم يكن عابرًا ولكنه مستمر.
تكشف النتائج تراجعًا حادًا في الثقة بالنظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن، مقابل تحسن نسبي في النظرة إلى الصين وإيران وروسيا، وأحيانًا على حساب أوروبا أيضًا. وينظر إلى الولايات المتحدة وعدد من حلفائها على أنهم منحازون وذوو معايير مزدوجة في الالتزام بالقانون الدولي. وعند سؤال المشاركين عن الدول التي تحمي الحريات وتسهم في الأمن الإقليمي وتدعم القضية الفلسطينية، جاءت الصين وإيران وروسيا في المقدمة مقارنةً بالولايات المتحدة وبعض شركائها.
لا يعني ذلك أن الرأي العام العربي يؤيد سياسات بكين أو طهران أو موسكو على نحو كامل. غير أن مركز الثقة في المنطقة يتغير، ليس لأن هذه القوى قدمت نموذجًا جذابًا، وإنما لأن مكانة الولايات المتحدة، وبدرجة أقل أوروبا، تراجعت بوضوح.
ومن غير المرجح أن تسهم الحرب مع إيران في تحسين هذه الصورة. فقد اندلع الصراع بمبادرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوسّع ليشمل هجمات على لبنان، فيما تعرضت دول الخليج لقصف بالصواريخ والمسيّرات، دون إحراز تقدم في إعادة إعمار غزة. بل يبدو أن الغضب الشعبي من واشنطن ازداد مقارنة بخريف 2025، وإذا استمر تآكل شعبيتها، فقد ينعكس ذلك على علاقاتها مع الحكومات، التي رغم طابعها السلطوي، تظل حساسة لضغوط الشارع، ما يجعل التعاون العلني مع الولايات المتحدة أكثر كلفة سياسيًا. والحفاظ على الشراكات يتطلب تحركًا سريعًا نحو إنهاء الحرب مع إيران، والعمل على تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وإلا ستخاطر واشنطن بخسارة نفوذها في المنطقة.
تراجعت صورة الولايات المتحدة بشكل ملحوظ منذ حرب غزة، ولم تستعد زخمها. ففي معظم الدول التي شملها الاستطلاع، بقيت النظرة إلى سياسات ترامب الخارجية محدودة الإيجابية، باستثناء المغرب وسوريا، حيث ارتبطت المواقف بعوامل سياسية محددة. ورغم دور ترامب في التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة، فإن سياساته اليوم تعتبر أسوأ مقارنة بإدارة بايدن في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام. أما الاتحاد الأوروبي، فيحظى بتقييمات أفضل نسبيًا، لكنها تختلف من دولة لأخرى بحسب موقفها من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إذ ترتفع شعبية دول مثل إسبانيا وأيرلندا لدعمهما الفلسطينيين، بينما تتراجع صورة دول أخرى مثل ألمانيا.
في المقابل، سجلت شعبية الصين في عام 2025 مستويات أعلى بكثير، إذ تراوحت بين 37% في سوريا و69% في تونس. ورغم أن روسيا أقل شعبية من الصين، فإنها لا تزال تتفوق في استطلاعات الرأي على الولايات المتحدة وحلفائها في مصر والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية وتونس. أما إيران، فتتسم صورتها بتباين واضح؛ إذ بلغت أعلى مستويات التأييد في تونس بنسبة 55%، وأدناها في سوريا بنسبة 5% بسبب دعمها السابق لنظام الأسد. ومع ذلك، يظهر اتجاه عام نحو التحسن، فقد ارتفع تأييدها خلال السنوات الخمس الماضية بنحو 20 نقطة في العراق و12 نقطة في الأراضي الفلسطينية، متجاوزة الولايات المتحدة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع.
كما شهدت شعبية قادة الصين وإيران وروسيا ارتفاعًا ملحوظًا في العالم العربي. زاد تأييد سياسات الرئيس الصيني شي جين بينج تجاه المنطقة بمعدلات كبيرة، لتصل نسب دعمه حاليًا إلى 61% في تونس، و51% في الأردن والأراضي الفلسطينية، و43% في المغرب، و58% في سوريا، و53% في العراق. وعلى الرغم من غزو أوكرانيا، ارتفعت أيضًا شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث زادت بنحو 33 نقطة في المغرب، و20 نقطة في الأردن، و17 نقطة في تونس، و14 نقطة في الأراضي الفلسطينية. ويحظى اليوم بدعم يفوق 40% في تونس والعراق، بينما يعبر 57% من المغاربة عن مواقف إيجابية تجاهه.
لعل أبرز النتائج يتمثل في الارتفاع اللافت في تأييد السياسات الخارجية للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي اغتيل في غارات أمريكية إسرائيلية في فبراير. فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورته بدعم وكلاء إقليميين وبرنامج نووي مثير للجدل، ما جعل شعبيته متدنية. إلا أن المزاج العام تغير مؤخرًا من سلبية حادة إلى مواقف أكثر توازنًا في عدد من الدول. فبينما لا تزال نسب الرفض مرتفعة في سوريا ولبنان والأردن والمغرب، تتقدم نسب التأييد بشكل ملحوظ في تونس والعراق والأراضي الفلسطينية. كما ارتفعت مكانته الشخصية خلال السنوات الخمس الماضية في جميع الدول التي تتوفر عنها بيانات، دون تسجيل أي تراجع.
ولا يعني هذا التحول تجاهل المخاوف المرتبطة بإيران؛ إذ لا يزال البعض يرى في برنامجها النووي تهديدًا، كما يُنظر إلى نفوذها الإقليمي باعتباره مصدر قلق في عدة دول. غير أن هذه المخاوف تتراجع أمام اعتبار الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية التهديد الأبرز للأمن القومي. وفي هذا السياق، تستفيد إيران من تبنيها خطاب دعم القضية الفلسطينية، ما يمنحها قدرًا من التعاطف.
في المقابل، تتراجع شعبية الولايات المتحدة بسبب موقعها في هذا الصراع، إذ يرى أغلب الرأي العام العربي أنها منحازة لإسرائيل على حساب الفلسطينيين، بنسب مرتفعة في معظم الدول. أما الاتحاد الأوروبي، فصورته أقل حدة، لكنها لا تخلو من الاتهام بالانحياز. وتختلف التقييمات بين دوله؛ إذ تعد ألمانيا، على سبيل المثال، الأكثر ارتباطًا بدعم إسرائيل في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام في المنطقة.
ويرى الرأي العام العربي أن إسبانيا أقل انحيازًا في موقفها من الصراع. ففي المغرب والعراق، تقاربت النسب بين من يرونها أقرب للدفاع عن الفلسطينيين (27%) ومن يعتبرونها أقرب إلى إسرائيل (29%)، وفي سوريا 21% مقابل 24%. في المقابل، يسود اعتقاد واسع بأن الأمم المتحدة منحازة لإسرائيل. فقد رأى عدد محدود فقط أنها أقرب للدفاع عن الفلسطينيين، تراوح بين 11% و25% بحسب الدولة، فيما اعتبر ما بين 40 و50% من المستطلعين أنها تميل إلى إسرائيل. وتعكس هذه النتائج شعورًا أوسع بأن المشكلة لم تعد تقتصر على ازدواجية المعايير الأمريكية، بل تمتد إلى تآكل مصداقية النظام القانوني والإنساني الدولي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا








