تكشف واقعة الاعتداء على المعلمة المنقبة عن تغول ظاهرة الغش في الامتحانات، والتطور الذي حدث في الدفاع عن الغش والغشاشين حتى وصل الأمر إلى استخدام العنف مع من يرفض الغش، بهدف شرعنة هذا الفعل الفاضح وتحويله إلى ثقافة مجتمعية مقبولة أو على الأقل مسكوت عنها.
في الماضي كان الغشاشون يتوارون خجلا، وكان أهلوهم يتبرأون منهم، وكان المجتمع يسخر منهم وينبذهم، على قاعدة الحديث النبوي الشريف: “من غشنا فليس منا”، أما اليوم فالغشاشون يتباهون بقدرتهم على الغش والحصول على ما ليس من حقهم، ويقف الآباء والأمهات متحفزين خارج لجان الامتحانات ليوفروا لهم المناخ المناسب للغش، ويقرأوا لهم الإجابات بصوت عال أو بالميكروفونات في مشهد مقزز، ويهددوا المراقبين ويرهبوهم كي ييسروا للغشاشين مهمتهم، ويعتدوا على من لا يمكنهم من الغش.
وبدلا من أن يظل الغش رذيلة ممقوتة كما كان طوال تاريخنا صار اليوم حقا مكتسبا، ومن لم يتعاطف مع الغشاشين ويساعدهم عليه أن ينتظر جزاءه سبا وتوبيخا وضربا، وكثرت الفيديوهات التي تستعرض صور الغش وأساليبه، حتى وصلنا إلى ترجمة الحالة برمتها في فيلم يسمى (برشامة)، حيث يقوم العمدة بقراءة الإجابات النموذجية من ميكروفون المسجد لتغشيش الطلاب، وهو ربط ممجوج بين جريمة الغش والعمدة والمسجد والـ (برشامة).
كل ما حولنا يصرخ بأن الغش خطر حقيقي على المجتمع بأسره، وليس من قبيل المبالغة رد الكثير من الجرائم التي يشكو منها المجتمع إلى الغش الذي يمارسه الطالب صغيرا في مرحلة التعليم، فيقوده رويدا رويدا إلى السرقة والبلطجة والتحرش والخيانة، ومن ثم إذا أردنا أن نعالج المجتمع من هذه الرذائل جميعا فعلينا أن نبدأ بمحاربة الغش والغشاشين، ومحاكمتهم ومعاقبتهم بكل حسم.
وسواء أكانت المعلمة (المجني عليها) من المراقبين في لجنة الامتحان ومنعت الغش كما قيل في الروايات الأولى للقصة، أم كانت ابنتها الطالبة هي التي رفضت أن تغشش زميلاتها كما جاء في البيانات الرسمية، فالثابت أن هذه السيدة تعرضت في الفيديو المنشور للضرب من بعض أولياء الأمور، لأنها وابنتها رفضتا الغش، وهذا هو مربط الفرس في القضية، فالغش لم يعد سبة ونقيصة، وإنما صار وحشا له أنياب يدافع بها عن نفسه حين لم يتم التمكين له، ولم يعد حالة فردية يجوز التسامح معها والتغاضي عنها، وإنما صار مرضا ينخر في المجتمع حتى استفحل أمره وصار يتطلب عملية جراحية لاستئصاله.
القضية ليست مجرد قضية معلمة اعتدي عليها، وإنما قضية سرطان يضرب في جذور المجتمع ويهدد استقراره، لذلك لابد من معاقبة المعتدين على المعلمة عقابا رادعا حتى وإن تنازلت هي عن حقها، فالعقاب في هذه الحالة حق المجتمع حتى لا تصبح الجريمة أمرا واقعا مقبولا.
كلنا نشكو من المستوى المتدهور الذي وصل إليه حال التعليم، وتدني المستوى العلمي والثقافي للخريجين، لكننا نهمل العلاج الناجع، حتى فوجئنا جيل من الطلاب يفوق (مدرسة المشاغبين)، جيل يحتفل بنهاية العام الدراسي فيخلع ملابسه ويقوم بتكسير المقاعد الدراسية وتمزيق الكتب ويدوسها بالأقدام، بينما كانت الأجيال السابقة تقدس الكتاب والمدرسة والمعلم، وتتغنى في أناشيد الصباح بالعلم والمدرسة والكتاب.
كيف وصلنا إلى هذا المستوى، وكيف انقلبت المعايير بهذا الشكل، وكيف ومتى نستيقظ لننقذ أنفسنا وأبناءنا من مصير مهلك يتر بص بنا؟
لابد من توقيع أقسى العقوبات على هؤلاء الطلاب وآبائهم حتى لايتحولوا في المستقبل إلى كلاب ضالة تعوي في الشوارع ليلا ونهارا، وتوعية المواطنين بمخاطر الغش والبلطجة عبر وسائل الإعلام حتى لا تزل أقدام المجتمع بأسره إلى الهاوية، يكفينا ما نعانيه من جماعات الإرهاب وعصابات البلطجة المنظمة والتحرش، ومن أصحاب الدعوات الهدامة إلى المساكنة وإعادة فتح بيوت البغاء، وأصحاب القوانين الفاسدة التي تجعل الحلال صعبا مستحيلا والحرام سهلا ميسورا، والفنانين والفنانات الذين تحولوا إلى مفتين في الدين، فهؤلاء جميعا غشاشون، يمارسون الغش علنا على شعوبهم.










