في يوم الجمعة قبل الماضية (24 يوليو 2026) صوتت 82 دولة من أصل 125 دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية لعزل المدعي العام كريم خان على خلفية اتهامه بارتكاب سلوك جنسي غير لائق مع موظفة مبتدئة، لكن المراقبين يؤكدون أن العزل جاء بقرار مسيس، استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية ردا على إصدار خان مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت تمهيدا لمحاكمتهما بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزة.
وقال محامو خان إن التهمة الموجهة إليه مجرد شبهات لا تدعمها أدلة، ولم يتح للرجل الدفاع عن نفسه، وإجراءات العزل غير قانونية وغير عادلة، هدفها معاقبته على المساس بالمسئولين الإسرائيليين، وإرهاب من يأتي بعده، وكل من يشغل مواقع دولية، حتى لا يقترب أحد من المواطنين الإسرائيليين والأمريكيين بسوء، وكان أول من تم تهديده بمصير مماثل لخان، زهران ممداني حاكم ولاية نيويورك، وصادق خان عمدة لندن، وفرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، الذين يطالبون بمحاكمة نتنياهو، ويصفونه بـ (مجرم الحرب).
وكريم أحمد خان محام بريطاني من أصل باكستاني، ولد عام 1970، متخصص في القانون الجنائي الدولي وقوانين حقوق الإنسان، وفي 2021 عين مدعيا عاما للمحكمة الجنائية الدولية، وأصدر مذكرات اعتقال ضد شخصيات دولية بارزة أشهرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أصدر مذكرتي اعتقال لنتنياهو وجالانت إلى جانب قيادات من حماس، وفتح بذلك على نفسه أبواب الجحيم، إذ شنت عليه إسرائيل وأمريكا حربا شعواء، وهددتاه ليتراجع ويسحب المذكرتين، لكنه أصر على موقفه، ورغم أن الدولتين ليستا عضوين في المحكمة الجنائية الدولية إلا أنهما نجحتا في تدبير تصويت (سري) لعزله، بعد تأمين أغلبية من دول (ورقية) تدور في فلكهما سرا، وتدعي في العلن غير ذلك.
وكان طبيعيا أن تهلل إسرائيل وأمريكا للنصر الذي أحرزتاه، بينما شهد المدعون السابقون للمحكمة الجنائية الدولية والقضاة فيها بنزاهة خان واستقامته الأخلاقية، وبصورية التهمة الموجهة إليه، وبأنهم تعرضوا لتهديدات مماثلة لمنعهم من مجرد النظر في الأوضاع داخل فلسطين المحتلة، وقالوا إن مذكرتي التوقيف لنتنياهو وجالانت كانتا بمثابة لطمة قوية على وجه الإسرائيليين والأمريكيين الذين لم يتصوروا أن الجنائية الدولية التي أنشئت لمحاكمة الأفارقة وشعوب الجنوب يمكن أن تطالهم.
ومن العجيب أن ينجح معسكر (إيبستين) في إقالة المدعي العام للجنائية الدولية بدلا من محاكمة الجاني، وتلفيق تهمة جنسية لإهانة الرجل، في حين يتم التغطية على جرائمهم الجنسية التي بلغت اغتصاب الأطفال والقاصرات وقتلهم بالمتعة السادية، والتعتيم على تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس التي اعترف فيها بضلوع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية في هذه الجرائم.
ونشر الكاتب البريطاني ديفيد هرست رئيس تحرير موقع (ميدل إيست آي) مقالا أكد فيه أن إقالة كريم خان جاءت بعد حملة ضغوط سياسية وإعلامية من أمريكا وإسرائيل وحلفائهما استمرت 18 شهرا، شاركت فيها صحيفة (وول ستريت جورنال)، ووكالة (أسوشيتد بريس)، وصحيفة (الجارديان)، ومحطة (سي إن إن)، وأن الإجراءات التي انتهت بإقالته افتقرت إلى الضمانات القانونية، وأن تحقيقات داخلية قامت بها لجنة من كبار القضاة لم تجد ما يثبت ارتكاب خان سوء سلوك.
وكانت المحكمة قد تعرضت لتحذيرات من قبل دول غربية عديدة بحجب التمويل عنها والانسحاب من عضويتها إذا لم توقف مذكرتي الاعتقال، وتعرض خان نفسه لتهديدات مباشرة من أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي قالوا فيها: “استهدف إسرائيل وسوف نستهدفك”، وتم إرسال فريق من الموساد الإسرائيلي إلى لاهاي حيث يعيش لترهيبه، وقال نتنياهو إن أربع نساء أخريات كن يتأهبن للشهادة ضده، لكن الرجل كان واثقا في نزاهة المحكمة الجنائية الدولية حتى اكتشف أخيرا أن إيمانه بهذه النزاهة لم يكن في محله على الإطلاق.
والحقيقة أن مذكرتي الاعتقال كانتا أول إجراء دولي عملي ضد إسرائيل مقارنة بالقرارات والبيانات الدولية التي هي مجرد كلام لا يرتبط بإجراءات تنفيذية، وما زالت المذكرتان ساريتين، فماذا سيفعل قضاة المحكمة بعدما رأوا ما حدث مع كريم خان، وبعدما صار كل عمل يتعلق بإسرائيل داخل المحكمة مقيدا؟









