مات الصوفي في طبه والطبيب في تصوفه وتصرفه ، مات معالج النفوس والأرواح أو انتقل كما يقول الصوفية مات الدكتور أحمد حلقة أستاذ المخ والأعصاب في مصر وانجلترا وهو يؤدي رسالته بجانبيها الصوفي والطبي فقد كان في طبه صوفيا لا يعرف الكلل أو الملل يتجه في عمله الطبي إلى الله فلا يذهب إليه مريض في حاجة إلى علاج بالعقاقير او الجراحة ويعود من دون العلاج الذي يناسبه بصرف النظر عن كونه يملك قيمة العلاج أو الجراحة أو لا يملك فقد كان يؤمن بأن مجرد معرفته بمرض مريض صار مسئولا عن علاجه مادام الأمر في تخصصه فإذا اعتذر المريض بأنه لا يملك ما يدفعه مقابل العملية الجراحية تحملها عنه بقدر عجز المريض عن الوفاء للمستشفى بقيمة العملية أو العلاج، وكثيرا ما تحمل كل التكاليف لانه لا يجوز عنده أن يعود مريض بعد أن كشف عليه وعرف حاجته دون علاج فذلك تقصير يخاف من حساب الله عليه.
وقد كان في صوفيته طبيبًا يتجه إلى الأرواح والقلوب بقلبه فيعالجها من أمراضها فيجليها مما ران عليها فتعود تقشعر وتلين بعد أن يذهب ما ران عليها من صدأ وذلك في دروسه ومحاضراته التي يلقيها على مريديه والباحثين عن طب لأرواحهم التي إثباتها الذنب وأيبستها الخطايا .
كان الدكتور أحمد حلقة رحمة الله عليه ورضوانه وصاحب أول مستشفى في مصر تتخصص في المخ والأعصاب لا يمل عن ذكر الله اثناء عمله الطبي وكذلك العاملون معه لأنهم لا يرون في أنفسهم قدرة على شىء وهم المتخصصون المهرة فيلجأون إلى خالق كل شيء والقادر على كل شىء من هنا لا يجد الزائر للمستشفى أحدا من العاملين إلا ويتمتم بآيات من الذكر الحكيم أو بأدعية وأذكار مما يضفي على قلوب المرضى الخائفين بردا وسلاما .
من كان يرى الدكتور أحمد حلقة في مستشفاه وقد بدأ عمله بعد صلاة الفجر ويستمر إلى ساعات طويلة لا يتصوره وهو يراه يوم الثلاثاء في قاعته الصوفية في منطقة السيدة زينب بالقاهرة وهو يلقي درسه ومحاضرته على مريديه من الصوفية.. لا يتصور أن هذا الرجل هو الجراح الذي رآه في مشفاه يمارس عمله الجراحي ويعّلم تلامذته من الأطباء ما يعلم من أدب درس وعلم يعلمهم فن الجراحة والإتقان والدأب والمسئولية تجاه مريض سلم نفسه لطبيب وثق به ويعلمهم اللجوء إلى خالق الطب .. خالق الداء والدواء الذي مشيئتة فوق كل مشيئته.
كانت جلسته يوم الثلاثاء تتضمن ذكرا لله جماعيا ثم ثلاث محاضرات تبدأ بعالمين من الأزهر الشريف وتختتم بمحاضرته التي تأتي ـ كما عاينت ـ غاية في العمق تمتلىء بالنصوص القرآنية والتربوية وسير الصالحين ومقولاتهم حتى يعجب المرء كيف تسنى له الوقت وهو المشغول في طبه أن يعد مثل هذه المحاضرة المكانة الأركان في موضوعها يعالج بها النفوس والأرواح .
لم اشأ أن أكتب عن هذه الشخصية الربانية في حياته حتى لا يظن ظان شيئا من مجاملة ،كما أنه كان ينأى بنفسه عن الظهور وهو منهج صوفي يلتزم إنكار الذات وعدم الشعور بها بل يعتبر الشعور بها ذنب يستوجب التوبة والاستغفار. ولم لا وقد كان يقول لنا “إن رؤية النفس حجاب عن الحق” وكان يقول: “الرضا عن الله والنفس لا يجتمعان “
رحم الله الدكتور أحمد حلقة الذي رحل عن دنيانا تاركا لنا نموذجا لعالم عامل لم يغيره عمله في انجلترا لسنوات طويلة بل زاده ثقة في دينيه ودفع كثيرين ممن تعاملوا معه هناك لان يتجهون إلى الإسلام يتعرفون عليه ويؤمنون به ولم تأخذه متغيرات مجتمعاتنا التي تغير الإنسان فيها كثيرا عن مسيره الجاد إلى الله سبحانه وتعالى فلم يبدل ولم يغير .








