تتأهب مصر لكسر رقمين قياسيين دفعة واحدة في موسم القمح ذاته، يتعلق أحدهما بالتوريد المحلي والآخر بالاستيراد. فقد جمعت الحكومة أكثر من 4.6 مليون طن من القمح المحلي منذ منتصف أبريل الماضي، متجاوزة إجمالي توريد موسم العام الماضي البالغ 3.9 مليون طن، وفق ما ورد في البيان اليومي الصادر عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء الذي اطلعت عليه نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. وليس هذا فحسب، بل إن هذا الرقم مؤهل للزيادة، في ظل تبقي نحو شهرين على إغلاق باب التوريد هذا الموسم في منتصف أغسطس المقبل.
ارتأى عديد من مراقبي السوق في بداية الموسم أن المستهدف البالغ 5 ملايين طن هو رقم طموح، لكنه بات الآن رقما متحفظا على ما يبدو. على الجانب الآخر، استوردت مصر 7.1 مليون طن من القمح خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، بزيادة قدرها 65%، مقارنة بـ 4.3 مليون طن في الفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يمثل رقما قياسيا للأشهر الخمسة الأولى من العام. وقفز متوسط معدل الاستيراد الشهري من 869 ألف طن إلى 1.43 مليون طن.
تبدو هذه المفارقة متناقضة. فلماذا تشتري دولة ما كميات قياسية من القمح المحلي، وتزيد على الجانب الآخر من وارداتها من نفس السلعة الاستراتيجية؟ التفسير هنا بسيط، ويتمثل في أن الحكومة كانت متوجسة. ففي تعليقها لإنتربرايز، تقول شذا عمر، الخبيرة في الاقتصاد الزراعي: “ما نشهده في الواقع هو مزيج من الدوافع التحوطية والهيكلية”. وتضيف: “مع ارتفاع أسعار القمح، والضغوط التي يواجهها الجنيه، وتصاعد المخاطر اللوجستية عقب اندلاع الصراع الإقليمي، تحرك أصحاب المطاحن والمشترون الحكوميون سريعا لتأمين الإمدادات. كان ذلك تحركا كلاسيكيا مدفوعا بالأزمة، لإعادة التمركز المسبق، وليس أسلوبا روتينيا لإدارة سلاسل التوريد”.
الحافز السعري واستجابة المزارعين
يكمن جزء من معادلة التوريد في آلية التسعير. ففي أغسطس 2025، حددت الحكومة أسعار التوريد عند 2250-2350 جنيها للأردب. وبحلول أبريل الماضي، وفي ظل تصاعد الضغوط الجيوسياسية، أصدر وزير التموين شريف فاروق قرارا برفع هذه الأسعار مجددا لتتراوح بين 2400 و2500 جنيه للأردب، وهو ما يعادل تقريبا 313 إلى 327 دولارا للطن المتري، ويزيد بنحو 50 دولارا للطن على الأسعار العالمية السائدة البالغة 275 دولارا للطن، شاملا التكلفة والشحن.
استجاب المزارعون لهذا الحافز، وانعكست هذه الاستجابة على أرقام التوريد؛ إذ بلغت المساحة المحصودة مستوى قياسيا عند 3.7 مليون فدان، صعودا من 3.1 مليون فدان في الموسم الماضي. وقد شهدت مصر في أعوام سابقة توسع المساحات المزروعة، لكن هذا التوسع لم تواكبه قفزة مماثلة في الكميات الموردة. وفي حديثه مع نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية ، يقول هشام سليمان، المدير العام لشركة ميديترانيان ستار للتجارة: “كانت الأراضي المستصلحة موجودة العام الماضي أيضا، لكن الفارق هذا العام يكمن في السعر”.
كانت هذه العلاوة السعرية كفيلة بإبعاد أي منافسين آخرين. فقال سليمان: “السعر الذي قدمته الحكومة للمزارع المصري هذا العام لم يكن له نظير في السوق العالمية”. وأضاف: “المزارع كان بمقدوره البيع للحكومة بنحو 16,500 جنيه للطن، وفي المقابل كان سعر تداول القمح المستورد نحو 14 ألف جنيه”، مشيرا إلى أن القطاع الخاص وقطاع الإنتاج الحيواني لم ينافس أي منهما على هذه الكميات هذا العام.
التكلفة مقابل الأمن الغذائي
يرى سليمان أن الدولة دفعت فعليا علاوة سعرية لتأمين الإمدادات المحلية. فمن وجهة نظره، كان القمح المستورد متاحا بأسعار أقل بفارق واضح مقارنة بأسعار التوريد المحلي، مما خلق فجوة جذبت الكميات بعيدا عن مشتري القطاع الخاص نحو الصوامع الحكومية. وقال: “القطاع الخاص رفع يده تماما عن القمح المحلي هذا العام”. ووفقا لتقديرات سليمان، أضافت العلاوة السعرية المدفوعة للقمح المحلي نحو 15 مليار جنيه إلى فاتورة القمح التي تدفعها الدولة هذا الموسم.
لكن فريد واصل يقرأ هذه البيانات قراءة مختلفة. ففي حديثه إلى إنتربرايز، قال النقيب العام للنقابة العامة للفلاحين والمنتجين الزراعيين ووكيل لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي بمجلس النواب: “كانت الدولة تعاني في الأعوام السابقة عندما لا تتجاوز الكميات الموردة 3.5 مليون طن”، مضيفا أن “هناك حافزا يشجع المزارع على التعاون مع الدولة”. ووفقا لقراءته لهذا المشهد، لا تمثل العلاوة السعرية عبئا ماليا، بل آلية جعلت تحقيق هذا الرقم القياسي في التوريد ممكنا.
ثمة قراءة ثالثة تقف في المنتصف. إذ يرى نادر نور الدين، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة والمستشار السابق لوزير التموين، أن مقارنة أسعار القمح في المزارع بأسعار القمح المستورد تغفل تكلفة نقل الحبوب إلى مصر في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية. ويضيف نور الدين: “القمح المحلي يظل أقل تكلفة من المستورد بمجرد احتساب تكاليف الشحن واللوجستيات”. إذ إن أسعار الشحن البحري ارتفعت جراء التوترات الإقليمية، بالتزامن مع زيادة تكاليف الوقود محليا، مما رفع نفقات النقل داخل مصر. وأشار إلى أن “الدولة كانت تعوض المزارع عن ارتفاع التكاليف، وعن زيادة نفقات الشحن التي يواجهها القمح المستورد”.
قفزة الواردات تحوط لا استهلاك
تشكل الواردات النصف الثاني من القصة ذاتها. بادرت حكومات المنطقة بزيادة مشترياتها، وسط مخاوف من تعطل الشحن أو اتساع رقعة التصعيد الإقليمي. وقال سليمان عن ذلك إننا “نشهد عمليات شراء تحوطية”، لافتا إلى أن السعودية والأردن وتونس زادت جميعها من مشترياتها، مما يشير إلى مخاوف من تأخر حصاد البحر الأسود، وحالة عدم اليقين المحيطة بتدفقات التجارة الإقليمية.
يعني هذا أن الجزء الأكبر من هذه الواردات جاء نتيجة لقرارات شراء اتُّخذت قبل معرفة الحجم الحقيقي للحصاد. ولا تزال الاحتياجات السنوية لمصر من القمح تتراوح بين 20 و22 مليون طن، مما يعني أن الواردات ستستمر حتما لحين انتهاء موسم التوريد، وتكوين السلطات صورة أوضح عن المعروض المحلي. ويقدر كل من سليمان ونور الدين الاحتياطي الاستراتيجي لمصر بنحو أربعة إلى خمسة أشهر، معربين عن شكوكهما في التقارير التي تشير إلى كفايته لتسعة أشهر. كما أكد كلاهما أن البنية التحتية للتخزين لا تستوعب أي توسع إضافي في المخزون.
لا يزال الغموض يكتنف الهدف من وراء برنامج الاستيراد الحالي، وما إذا كان يستهدف الاستهلاك الفوري أم إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية. ستتضح الإجابة هذا العام بلا ريب، عندما تقرر السلطات إذا كان التوريد المحلي القوي سيؤدي إلى خفض الاستيراد، أم أنه وسيلة لتكوين مخزونات أكبر. وقد تراجعت معدلات التوريد اليومية من 21,600 طن في 10 يونيو إلى 5,200 طن بعد خمسة أيام، وهو ما يتسق مع رؤية سليمان بأن معظم المزارعين انتهوا بالفعل من حصاد وتسويق قمحهم. وإذا استمر هذا الاتجاه، فيبدو أن الاحتمال الأقرب هو الوصول إلى المستهدف غير المسبوق البالغ 5 ملايين طن، وأن تجاوز هذا المستهدف سيكون مستبعدا.
سقف الاكتفاء الذاتي
لا تغير ضخامة الحصاد معادلة القمح في مصر؛ إذ تشير التوقعات إلى أن إنتاج القمح هذا الموسم سيصل إلى 9.8 مليون طن، بدعم من المساحة المحصودة القياسية، ليصبح ثاني أكبر حصاد في تاريخ مصر الحديث. لكن إجمالي الاستهلاك المحلي يبلغ نحو 20.6 مليون طن سنويا، وستُوجه الكميات المتبقية للقطاع الخاص لإنتاج المواد الغذائية.
وتشير عمر إلى تراجع إنتاجية الفدان المتوقعة إلى 2.74 طن مقابل 2.91 طن في الموسم الماضي، وهو انخفاض بنسبة 5.6% كان متوقعا تماما لأن التوسع السريع في المساحات يؤدي إلى زراعة أراض هامشية ذات معدلات إنتاجية أقل.
وأضافت أن الوصول إلى مستهدفات الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتي لبرنامج الخبز المدعم يتطلب الوصول بإنتاجية الفدان إلى نحو 3.60 طن، أي تحسن بنسبة 30% عن المستويات الحالية؛ إذ إن تحقيق هذا الهدف يتطلب الوصول إلى 8.6 مليون طن في العام المالي 2026-2027 وفقا لمشروع الموازنة. ويمكن تحقيق هذا الهدف على مدى عقد من الزمان، بشرط الاستمرار في الاستثمار في البنية التحتية للري، والتقاوي المعتمدة، والخدمات الإرشادية، وإدارة الأراضي المستصلحة.
وثمة تعقيد إضافي يواجه الموسم المقبل: ارتفعت أسعار اليوريا في مصر بنسبة 28% في أوائل مارس 2026، بحسب عمر. وتهدد هذه القفزة في التكاليف الحسابات الاقتصادية للمدخلات، التي تجعل زراعة القمح عالي الإنتاجية مجدية لصغار المزارعين. وإذا استمر ارتفاع تكاليف الأسمدة خلال موسم الزراعة المقبل، فقد تأتي مكاسب المساحات والإنتاجية دون التوقعات.
الرسالة الحقيقية
على مدى السنوات الأربعة الماضية، تعرضت مصر لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ونقص النقد الأجنبي، واضطرابات سلاسل التوريد، والصراعات الإقليمية، وموجات متكررة من تضخم أسعار الغذاء. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الحكومة اتخذت قرارا واعيا بالنظر إلى أمن الإمدادات على أنه أولوية مقدمة على خفض تكاليف التوريد. ولذا فإن الواردات القياسية والحجم القياسي للتوريد المحلي لا يشكلان نتيجتين متناقضتين، بل هما وجهان لسياسة واحدة: الدفع اليوم لتجنب مخاطر النقص غدا.
الخلاصة
لا يزال سوق القمح اليوم خاضعا بشكل كبير لتدخل الدولة، بدءا من تحديد أسعار التوريد ووصولا إلى استيراد القمح لصالح منظومة الخبز المدعم. ومن شأن التحول إلى نظام الدعم النقدي، المزمع تطبيقه قريبا، أن ينقل المسؤولية تدريجيا إلى مستوردي القطاع الخاص، وهو ما قد يقلص دور الدولة بوصفها المشتري المهيمن في السوق. بيد أن السؤال الأبرز المطروح أمام صناع السياسات خلال الفترة المقبلة هو ما إذا كان هذا التحول سيخفض التكاليف الحكومية دون الإضرار بالأمن الغذائي.










