تتجه الحكومة لتقليص نطاق ضريبة القيمة المضافة المزمع فرضها بنسبة 14% على المساحات الإدارية المؤجرة، بما قد يُبقي على المصانع والمباني التي تقدم خدمات مباشرة للمواطنين خارج المظلة الضريبية، وفق ما صرح به 3 مسؤولين حكوميين لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. ويقول المسؤولون إن هذا التعديل يأتي على خلفية توصيات مدعومة من صندوق النقد الدولي لخفض الإعفاءات الضريبية وزيادة الإيرادات، مضيفين أنه قد يُدرَج في اللائحة التنفيذية، مما يعني اقتصار تطبيق الضريبة على المقار الإدارية غير التشغيلية أو غير الخدمية وحسب.
وعاء ضريبي أصغر.. وأثر أخف لتمرير الضريبة:
سيؤدي اقتصار الضريبة على المقار الإدارية حصرا إلى تقليص العبء الضريبي الممرر إلى المستهلكين. وفي الوقت ذاته، سيُخضع فئة واسعة من إيجارات المكاتب والمقار الإدارية للسعر العام لضريبة القيمة المضافة. وأوضح أحد المسؤولين أن الجهات الحكومية لا تزال تدرس آلية التطبيق حتى الآن.
العاصمة الجديدة في الصدارة:
ستخضع المباني الإدارية المؤجرة في العاصمة الجديدة لهذه الضريبة المرتقبة، بما في ذلك الحي الحكومي، وفق ما قاله المسؤولون. وتقدر الموازنة الجديدة قيمة الإيجارات الحكومية للمباني في العاصمة الجديدة بنحو 7 مليارات جنيه. وتوقع مسؤول آخر أن تشمل الضريبة الأبراج الإدارية، والبرج الأيقوني، والمناطق الإدارية في القاهرة الجديدة، والشيخ زايد، وغيرها من مجتمعات الأعمال في القاهرة الكبرى.
الازدواج الضريبي لا يزال قيد البحث:
أشار أحد المسؤولين إلى أن بعض الوحدات الإدارية، لا سيما الواقعة داخل المولات والمباني الخدمية التي تتعامل مع الجمهور مباشرة، تخضع حاليا لضريبة بواقع 1%. ولا تزال المناقشات جارية بشأن استمرار هذه النسبة إلى جانب ضريبة القيمة المضافة الجديدة البالغة 14%، أم أنها ستقتصر على ضريبة القيمة المضافة فقط لتفادي الازدواج الضريبي. وقال رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة محمد البستاني لإنتربرايز إن الضريبة البالغة 1% كانت عبئا ضريبيا كافيا على تلك المقار.
تذكر: أشارت إنتربرايز في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية ستُخضع الوحدات الإدارية المستأجرة للسعر العام لضريبة القيمة المضافة، مع احتساب مدفوعات الإيجار من تكاليف النشاط واجبة الخصم عند احتساب ضريبة الدخل. ويأتي هذا المسار الإصلاحي الأوسع في إطار مساعي وزارة المالية، التي تستهدف زيادة الإيرادات الضريبية السنوية عبر توسيع القاعدة الضريبية، بدلا من رفع أسعار الضريبة الأساسية.
تأثير طفيف على الورق.. وضغوط محتملة على الطلب
صرحت مصادر حكومية لإنتربرايز بأنها لا تتوقع أن تقلص الشركات عملياتها أو خططها الاستثمارية في مصر بسبب هذه التعديلات، مشيرة إلى إمكانية خصم مدفوعات الإيجار من وعاء ضريبة الدخل للشركات، باعتبارها تكاليف تشغيلية. ومن شأن هذا الإجراء أن يخفف جزءا من الأثر الضريبي، حتى إن كانت ضريبة القيمة المضافة ستغير الحسابات الاقتصادية لعمليات التأجير.
على الجانب الآخر، يبدو المطورون أقل تفاؤلا. إذ يرى البستاني أن الضريبة الجديدة قد تحد من الطلب الاستثماري على الوحدات الإدارية، التي كانت تجذب المشترين في الآونة الأخيرة نتيجة لنمو معدلات تأسيس الشركات وتحول الطلب نحو المقار المكتبية. وأضاف أن الوحدات الإدارية قادرة على تحقيق عوائد إيجارية تتراوح بين 8 و10%، مقارنة بنحو 1-3% للوحدات السكنية. لكن ارتفاع التكاليف الضريبية وتراجع الطلب قد يؤديان إلى تباطؤ هذا النشاط. وأشار البستاني إلى أن هذا القرار قد يضغط أيضا على الشركات التي تدير المباني والأبراج الإدارية، والتي أسهمت في جذب المشترين للوحدات الإدارية خلال السنوات الماضية عبر إدارة المساحات أو تأجيرها نيابة عنهم. إذ إن زيادة العبء الضريبي على الإيجارات قد يجعل هذا النموذج أقل جاذبية في حال تمرير التكلفة إلى المستأجرين.
المساحات الفاخرة لا تبالي
في تصريحات لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية، توقع أيمن سامي، رئيس مكتب “جيه إل إل” مصر للاستشارات العقارية، أن يحاول الملاك الحفاظ على أسعار الإيجارات الأساسية وتمرير ضريبة القيمة المضافة إلى المستأجرين. وأوضح أنه من المستبعد أن يتأثر مستأجرو المساحات الفاخرة من الفئة (أ) بشكل ملموس بالسعر العام لضريبة القيمة المضافة، لكنهم سيتفاوضون للوصول إلى حل وسط يستوعب جزءا من الزيادة ضمن حسابات عقود الإيجار الحالية. وأضاف أن العديد من العقود تتضمن بالفعل زيادات سنوية تلقائية في أسعار الإيجارات بنحو 10%، ولذا فإن العام الأول من تطبيق الضريبة قد يشهد استقرارا في الأسعار قبل استئناف الزيادات السنوية في الأعوام اللاحقة.
وأكد سامي أن الطلب لا يزال قويا على الوحدات الإدارية، لا سيما المساحات المكتبية من الفئة (أ). وتتناسب المساحات التي تتراوح بين 500 و10 آلاف متر مربع مع تفضيلات الشركات الكبرى والمطورين والمستثمرين الكبار بشكل رئيسي، في حين يميل المستثمرون الصغار إلى المكاتب ذات المساحات المحدودة أو العيادات. وأشار إلى تنامي ظاهرة تتمثل في تعاون المستثمرين الصغار لتجميع السيولة وشراء وحدات إدارية بمساحات أكبر في مناطق مثل القاهرة الجديدة، وذلك بهدف اقتناص عوائد أعلى.
الشركات باقية.. لكن بمساحات أقل
أشار سامي إلى أن الصورة العامة للتنافسية لم تتأثر؛ لأن الشركات الأجنبية تدرس التكلفة الإجمالية للتأسيس والتشغيل وليس سعر الإيجار وحده، فلا تزال مصر تمتلك ميزة إقليمية من حيث تكاليف التشغيل والمرتبات، لا سيما عند مقارنتها بمراكز الأعمال الإقليمية الأخرى. وأضاف أن استقرار أسعار إيجارات المساحات المكتبية المقومة بالدولار في مصر، أو عدم تراجعها بشكل ملموس، حتى بعد قرار التعويم والضغوط الاقتصادية الأوسع، يمثل مؤشرا صحيا لقوة السوق.
كما رجح سامي أن عملية إعادة ترتيب الأوراق استجابة للمستجدات ستكون موجهة نحو رفع الكفاءة التشغيلية، من خلال الاعتماد على مساحات أصغر، والتوسع في حلول مشاركة المكاتب، وتطبيق نماذج العمل الهجين التي تجمع بين المكتب والمنزل، بدلا من التخلي التام عن المقار المكتبية. ونوه إلى أن مصر تجاوزت مرحلة الاعتماد الكامل على العمل عن بعد التي أعقبت الجائحة، خاصة بين الشركات الأجنبية التي تلتزم بالسياسات الصادرة عن مقارها العالمية الرئيسية.
ما نترقبه:
لا تزال الملامح النهائية للضريبة معلقة بصدور اللائحة التنفيذية، وما إذا كان الإعفاء سيستمر للمقار الخدمية وغير التشغيلية، وأيضا ما إذا كان الرسم البالغ 1% سيبقى مطبقا. ويتوقع سامي فترة من عدم اليقين، وتأجيل القرارات، والضغوط السعرية قبل أن يستوعب السوق هذه التكلفة. وتتلخص رؤيته الأوسع في المطالبة بهيكل ضريبي أكثر وضوحا وسلاسة، يتمثل في منظومة موحدة تعزز التنافسية، بدلا من فرض طبقات متعددة تشمل الضريبة العقارية، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة الدخل على السوق ذاته.










