في رماد النكسة، حيث يولد الأبطال
في يونيو 1967، وفي غضون ستة أيام فقط، تغيرت خريطة المنطقة العربية بأكملها. سقطت سيناء، وسقطت الضفة الغربية، وسقطت الجولان. كان الجيش المصري، الذي كان يعتبر الأقوى في المنطقة، في حالة من الانهيار. كان الجنود يتساقطون، والعتاد يتحطم، والروح المعنوية في أدنى مستوياتها. كان المشهد يبدو وكأن النهاية قد حانت، وكأن لا أمل في العودة.
لكن هناك، في وسط هذا الرماد، كان هناك رجل لا يؤمن بكلمة “هزيمة”. رجل حمل على كتفيه عبء الأمة، وقاد مجموعة من المقاتلين الذين رفضوا الاستسلام. رجل أرهب إسرائيل لدرجة أنهم أطلقوا عليه لقب “شيطان سيناء”، وجعلوا من قتلهم له هدفاً استراتيجياً. هذا الرجل هو إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، أسطورة الصاعقة المصرية، وأمير الشهداء كما لقبه المصريون.
هذه المقالة ليست مجرد سرد لبطولات عسكرية، بل هي رحلة في أعماق روح رجل رفض الهزيمة، وكيف أن إرادة واحدة، حين تتحد مع إرادة مجموعة، يمكنها أن تغير مسار التاريخ.
من قرية الخلالة إلى قيادة الصاعقة: نشأة بطل
في السابع والعشرين من يونيو عام 1931، وفي قرية الخلالة الهادئة بمحافظة الدقهلية، وُلد إبراهيم الرفاعي. كان محاطاً منذ نعومة أظفاره برائحة البارود، حيث نشأ في عائلة عسكرية، كان جده الأميرالاي عبد الوهاب لبيب قد خدم في الجيش المصري حتى عام 1914، وخاض معارك الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي. كانت تلك البيئة العسكرية هي التي شكلت وجدان الرفاعي، وجعلته يقسم، وهو ما زال شاباً، أن يثأر لشهداء العرب في فلسطين.
التحق الرفاعي بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج فيها عام 1954 متفوقاً على جميع زملائه. لكن روحه القتالية لم تجد مبتغاها في سلاح المشاة، فكانت وجهته الطبيعية نحو الصاعقة. وفي عام 1955، التحق بأول فرقة صاعقة مصرية في منطقة “أبو عجيلة” بسيناء، وجاء ترتيبه الأول بجدارة. لم يمر وقت طويل حتى أصبح مدرساً بمدرسة الصاعقة، يدرب المقاتلين على فنون الاشتباك والكمائن والقتال الجبلي. سافر وحصل على دورات متقدمة داخل مصر وخارجها، منها دورة القتال خلف خطوط الأعداء، حيث تعلم التخفي والتسلل وجمع المعلومات. كان الرفاعي، كما تصفه المصادر، “ضابطاً من الطراز الأول”، متميزاً في تقنيات القتال غير النظامي وحرب العصابات.
بورسعيد 1956: حين كانت البداية ناراً
في عام 1956، وخلال العدوان الثلاثي على مصر، كان الرفاعي في الخامسة والعشرين من عمره. كلفته القيادة بواحدة من أهم مهامه الفدائية في بورسعيد: القضاء على تجمع للدبابات البريطانية داخل معسكر يقع في مكان فسيح بين البيوت. خرج الرفاعي على رأس مجموعات فدائية، وقطع جميع الشوارع المؤدية إلى المعسكر، ووصل على رأس المجموعة الأولى إلى مسافة 50 متراً من الدبابات. كانت تلك البداية الحقيقية لمسيرة من البطولات، حيث أثبت الرفاعي أنه ليس مجرد ضابط، بل هو مقاتل بالفطرة، لا يهاب الموت ولا يتردد في مواجهة المستحيل.
بعد النكسة: حين قال “لا” للهزيمة
لكن اللحظة الأكثر حسماً في حياة الرفاعي جاءت بعد نكسة 1967. ففي تلك الأيام المظلمة، حين كان الجيش المصري يلملم جراحه، ويستعيد توازنه وسط صدمة الهزيمة، رفض الرفاعي الاستسلام. كان يعتقد أن النكسة ليست نهاية الطريق، بل هي بداية لمرحلة جديدة من النضال. وكما تروي المصادر، كانت نيران الرفاعي ورجاله هي أول نيران مصرية تطلق في سيناء بعد نكسة يونيو 1967. لقد نسف مع مجموعته قطاراً للجنود والضباط الإسرائيليين عند منطقة الشيخ زويد، وكأنه يعلن للعالم أن المقاومة لم تنته، وأن شعباً بحجم مصر لا يمكن أن يُهزم.
في تلك الفترة، أسس الرفاعي المجموعة 39 قتال، وهي فرقة خاصة من أقوى مقاتلي الصاعقة البرية والبحرية، تألفت من 90 رجلاً يعملون تحت غطاء “منظمة سيناء العربية” التي نظمتها ودربتها المخابرات العامة المصرية. كانت هذه المجموعة هي التجسيد العملي لرفض الرفاعي للهزيمة، وهي التي ستصبح، في السنوات التالية، كابوساً لإسرائيل.
لسان التمساح: حين تحولت البحيرة إلى مقبرة
في 9 مارس 1969، وأثناء تفقد رئيس الأركان المصري الفريق عبد المنعم رياض لنتائج القصف المصري على خط بارليف، قصفت المدفعية الإسرائيلية المنطقة التي كان يتواجد فيها، فأصابته شظايا إحدى القذائف وتوفي متأثراً بجراحه. كان هذا الحادث بمثابة إعلان حرب غير رسمي. قررت القيادة المصرية الرد بعملية إغارة ضد الموقع الذي انطلقت منه القذائف الإسرائيلية، وهو موقع “المعدية 6” المعروف بـ “لسان التمساح”.
وكُلف الرفاعي بتنفيذ العملية. كانت المهمة تبدو مستحيلة: الموقع كان محصناً بشكل كبير، ومصمماً لتحمل قنابل تصل أوزانها إلى 9 أطنان، ومحمياً ببحيرة التمساح من جهة، وموقعين حصينين آخرين على ربوات يبعدان كيلومتراً واحداً. لكن الرفاعي، وبعد استطلاع دقيق، اكتشف ثغرة في الدفاعات الإسرائيلية: غياب الأسلاك الشائكة وحقول الألغام وأجهزة الإنذار.
في مساء يوم 19 أبريل 1969، انطلق أكثر من 60 فرداً من المجموعة 39 قتال بقيادة الرفاعي في ستة زوارق مطاطية عبر بحيرة التمساح، تحت غطاء قصف مدفعي كثيف. وعقب نزولهم، توجهت القوة إلى موقع الدشمة الإسرائيلية الحصينة. كانت المعركة عنيفة، لكنها لم تدم طويلاً. خلال ساعات، أبادت قوات الصاعقة المصرية كل من في الموقع تقريباً، ودمروا دبابتين ونصف مجنزرة، ورفعوا العلم المصري على الموقع، والذي ظل مرفوعاً طيلة ثلاثة أشهر. بلغت خسائر الجانب الإسرائيلي 44 قتيلاً, بينما أصيب فردان فقط من الجانب المصري.
لم تكن هذه مجرد عملية عسكرية؛ كانت رسالة. رسالة بأن الجيش المصري لم يمت، وأن كرامة الأمة لم تُهدر، وأن كل قطرة دم مصري سيكون لها ثمن. وكان الرفاعي، في تلك الليلة، هو من كتب الرسالة بدماء العدو.
العمليات التي أرعبت إسرائيل
لم تتوقف بطولات الرفاعي عند لسان التمساح. فبين عامي 1969 و1973، قاد المجموعة 39 قتال في عشرات العمليات خلف خطوط العدو. من أبرزها:
قصف مطار الطور عام 1969 بثمانية صواريخ، وتدمير ما يحويه من مخازن ومحطة لاسلكي. و عملية الكرنتينة، التي دمرت أهم ميناء كان يمد قوات الاحتلال بالوقود والذخيرة. و ايضا عملية لسان التمساح الثانية، التي دمرت مجدداً نفس الموقع بعد تحصينه مرة أخرى. و أخيرا وليس أخرا تدمير مخزن الذخيرة الإسرائيلي شرق قناة السويس.
وقد أسر الرفاعي ضابطاً إسرائيلياً وسط رجاله، واقتحم حصون إسرائيل في لسان التمساح، ليصبح أحد أخطر رجال الصاعقة المصرية. وقد أطلق عليه الإسرائيليون لقب “شيطان سيناء”، وأصبح قتله هدفاً استراتيجياً لهم.
أكتوبر 1973: التتويج بالاستشهاد
في حرب أكتوبر 1973، كان الرفاعي في قلب المعركة. شارك في معارك العبور وتطهير المواقع المعادية حتى اللحظات الأخيرة. لكن قدره كان أن يلقى ربه في ميدان القتال. في يوم الجمعة 19 أكتوبر 1973، وبينما كان الرفاعي يقود رجاله، اخترقت شظية من قذائف العدو صدره. سقط البطل شهيداً، لكنه لم يمت حقاً. فكما يقولون، “الأساطير لا تموت، بل تبقى حية في قلوب الرجال الذين ساروا على نهجهم”.
إرث لا يموت
اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاماً على استشهاد الرفاعي، لا يزال اسمه يُدرس في الكليات الحربية ومدارس الصاعقة المصرية. لقد أصبح الرفاعي رمزاً للشجاعة والإقدام، ومدرسة قتالية متكاملة. وكما يُقارن اسمه بأبطال العصر الحديث، مثل الشهيد أحمد المنسي، فإن إرثه ما زال حياً في وجدان كل مصري.
في النهاية، كانت قصة إبراهيم الرفاعي قصة رجل رفض الهزيمة. قصة رجل لم يسمح لنكسة 1967 بأن تكسره، بل جعل منها نقطة انطلاق لمعركة جديدة. قصة رجل علّم الأجيال أن النصر لا يأتي بالانتظار، بل بالعمل، وبالإرادة، وبالتضحية. وكما قال هو، أو كما يروي عنه رجاله: “المستحيل ليس إلا كلمة يقولها الجبناء”. وإبراهيم الرفاعي، شيطان سيناء، لم يكن جباناً أبداً.









