بلغت التزامات قروض قطاع النقل في مصر نحو 14 مليار دولار. ترتكز الجدوى الاقتصادية لهذه القروض على كونها استثمارات طويلة الأجل لا تقتصر عوائدها على تحصيل رسوم التذاكر، بل تمتد لربط الموانئ البحرية، تحفيز التجارة، جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق شبكة لوجستية تدعم النمو الاقتصادي وتوفر فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
شهد العقد الحالي توسعا كبيرًا في مشروعات الطرق والكباري والنقل والمواصلات، خاصة المشروع القومي للطرق، الذي تقدمه الحكومة المصرية كأحد أبرز إنجازاتها، يسعى هذا المقال إلى تفكيك الخطاب السائد حول جدوى هذه المشروعات، من خلال تتبع حجم الإنفاق والاقتراض الموجه لهذا القطاع، ومقارنته بنتائجه الفعلية على الأرض.
يحاول المقال طرح سؤال رئيسي: هل تعالج هذه المشروعات أزمات العمران والنقل، أم تعيد إنتاجها بصورة أكثر كلفة؟ كما يناقش المقال مدى غياب التكامل بين سياسات النقل والتخطيط العمراني، وتأثير ذلك على استمرار الكثافة السكانية، وارتفاع تكلفة المعيشة، وتزايد الأعباء المالية، بما يطرح تساؤلات أوسع حول أولويات التنمية وحدود فعاليتها في تحسين حياة المواطنين.
المشروع القومي للطرق
يُعد المشروع القومي للطرق من أضخم مشروعات البنية التحتية التي نُفذت في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث شمل التخطيط لإنشاء نحو 7000 كيلومتر من الطرق الجديدة، نُفذ منها ما يقرب من 6500 كيلومتر، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة نحو 10 آلاف كيلومتر من شبكة الطرق القائمة، بتكلفة إجمالية تتجاوز 300 مليار جنيه. كما تضمن المشروع إنشاء عشرات المحاور العرضية على نهر النيل، والتوسع في تنفيذ ما يقرب من 1000 كوبري ونفق.
بحسب ما هو معلن من جانب الحكومة، فإن المشروع القومي للطرق يهدف الى تقليل التقاطعات المرورية وزيادة السيولة. ولم يقتصر التوسع على الطرق السريعة، بل امتد ليشمل تطوير آلاف الكيلومترات من الطرق المحلية داخل المحافظات، وربطها بمشروعات تنموية مختلفة. وتعكس هذه الأرقام حجمًا غير مسبوق من التوسع في شبكة الطرق، سواء من حيث الأطوال أو التكلفة أو عدد المشروعات المنفذة، بما يجعل هذا القطاع أحد أكثر قطاعات البنية التحتية استحواذًا على الاستثمارات خلال الفترة الأخيرة.
نزع الملكية لصالح مشروعات الطرق والنقل
، قامت الحكومة المصرية خلال عام 2025 بنزع ملكية نحو 2.6 مليون متر مربع بما يعادل 492 فدان من الأملاك الخاصة، تضرر منها نحو 2469 مواطنًا، حيث استحوذ قطاعي النقل والمواصلات والطرق والكباري على نحو 60% من إجمالي المساحة المنزوعة وعدد المتضررين، بمساحة تتجاوز 1.23 مليون متر مربع، وتأثر ما يقرب من 1981 شخصًا. ففي قطاع الطرق والكباري، بلغت المساحة المنزوعة نحو 1,064,399 مترًا مربعًا (ما يعادل حوالي 253.4 فدان)، وتضرر منها نحو 1690 شخصًا، وشملت المشروعات إنشاء وتطوير محاور مرورية رئيسية، وتوسعة طرق قائمة، وإنشاء كباري علوية، وربط محاور جديدة بشبكات الطرق السريعة والدولية، إلى جانب تطوير الطريق الدائري ومحاور الربط الإقليمي والطرق الساحلية، فضلًا عن تنفيذ مشروعات داخل الكتل العمرانية. أما في قطاع النقل والمواصلات، فقد بلغت المساحة المنزوعة نحو 171,830 مترًا مربعًا (حوالي 40.9 فدان)، وتضرر منها 291 شخصًا، وتنوعت المشروعات بين مترو الأنفاق، والسكك الحديدية، والنقل الجماعي السريع، والموانئ، ومحطات الأتوبيس الترددي، والقطار الكهربائي، وخطوط النقل الإقليمي.
قطاع النقل والمواصلات والدين العام الخارجي
يثور التساؤل الآن حول كيفية تمويل مشروعات النقل في مصر، في ظل ارتفاع الدين العام المصري الخارجي الذي بلغ نحو 163.7 مليار دولار في سبتمبر 2025. وتُعد وزارة النقل من الوزارات التي تسهم في هذا الدين. وفقًا لتصريحات وزير النقل كامل الوزير، بلغ إجمالي القروض التي حصلت عليها وزارة النقل نحو 20 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 12.2% من إجمالي الدين الخارجي لمصر.
إلا أنه خلال الاستضافة نفسها في برنامج “الحكاية” في مارس 2026، نفى الوزير اعتماد الوزارة على القروض في تمويل مشروعات الطرق والموانئ، قائلًا: “إحنا مابنصرفش سنت واحد على طريق، واللي يقدر يثبت إني بجيب قرض أعمل به طريق أو ميناء هنرجع له الفلوس”.
في المقابل، عرض موقع “متصدقش“، وهو موقع متخصص في تدقيق الحقائق، مجموعة من البيانات الرسمية التي تشير إلى حصول وزارة النقل على تمويلات خارجية لمشروعات مرتبطة بالطرق والموانئ، على عكس تصريحات الوزير. فقد حصلت الوزارة على عدد من القروض من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية خلال الفترة من 2018 إلى 2022 لتمويل مشروعات طرق في سيناء، بإجمالي بلغ نحو 128.5 مليون دينار كويتي (ما يعادل حوالي 420 مليون دولار)، إلى جانب اتفاقيات تمويل أخرى لمشروعات مرتبطة بالبنية التحتية للنقل، حيث بلغ إجمالي اتفاقيات القروض التي أبرمها قطاع النقل في مصر خلال الفترة من 2020 إلى 2023 نحو 7.28 مليار دولار,
في بداية عام 2026 وافق مجلس النواب على اقتراض نحو 332 مليون دولار لاستكمال المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، الذي يربط العاصمة الإدارية بمدينة العاشر من رمضان بطول 20.4 كيلومتر.
كما أعلنت الهيئة القومية للأنفاق في مارس 2025 عن الحصول على قرض من تحالف بنوك محلية بقيمة 5 مليارات جنيه لاستكمال مشروعي مونوريل العاصمة الإدارية ومدينة السادس من أكتوبر، وذلك بعد توقيع قرض سابق في عام 2021 بقيمة 1.88 مليار يورو لنفس المشروع.
إذن، فإن هذه المشروعات الضخمة التي شرعت فيها الحكومة المصرية، سواء في قطاع النقل والمواصلات أو الطرق والكباري، وما تزال مستمرة في تنفيذها، قد انعكست بشكل مباشر على جانبين أساسيين يمسان حياة المواطنين وحقوقهم. يتمثل الأول في البعد الاجتماعي، حيث فقد نحو 1981 مواطنًا أملاكهم الخاصة في إطار قرارات نزع الملكية، بينما يتمثل الثاني في البعد الاقتصادي، إذ ساهمت مشروعات النقل تحديدا في تحميل الاقتصاد مليارات الدولارات ضمن أعباء الدين الخارجي. وبناءً على ذلك، يصبح من المنطقي أن تنعكس هذه الكلفة الاجتماعية والاقتصادية على حياة المواطنين بصورة إيجابية، وأن تسهم في معالجة أوجه القصور التي يعاني منها قطاع النقل. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى تحقق هذا العائد فعليًا، وهو ما يسعى التحليل التالي إلى تفكيكه وقياسه.
حوادث الطرق
المحور الأول من التحليل الذي يطرحه هذا المقال، هو انعكاس الكلفة الاجتماعية والاقتصادية على جودة الطرق وسلامتها، وبالتالي تقليل المخاطر المتمثلة في حوادث السير.
وفقًا للنشرات الدورية التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن معدل الإصابات الناتج عن حوادث الطرق قد شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة من عام 2014 حتى عام 2024، حيث ارتفع عدد الإصابات من 22,717 حالة عام 2014 إلى 76,362 حالة عام 2024، بزيادة قدرها 53,645 حالة، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنسبة تقارب 236.2%، بما يعكس تزايدًا كبيرًا في حجم الإصابات المرتبطة بحوادث الطرق خلال هذه الفترة.
أما بخصوص عدد الوفيات، فقد شهد تراجع من 5,504 حالة عام 2014 إلى 5,260 حالة عام 2024، بانخفاض قدره 244 حالة، وهو ما يمثل تراجعًا بنسبة تقارب 4.4%، وبمقارنة هذا التراجع بحجم الإنفاق وحجم المشروعات المنفذة فإنه يظل تراجع محدود لا يتناسب مع حجم الإنفاق.
الطريق الدائري، أحد المشروعات العملاقة في مصر الذي تكلف توسعته نحو 50 مليار جنيه وفق تصريحات وزير النقل، إلا أن الحوادث لم تتوقف، حيث شهد الطريق عدد من الحوادث المميتة بعد توسعته خلال فترات زمنية متفرقة. نذكر منها حادث تصادم 7 سيارات باتجاه المنيب أعلى منطقة عزبة خير الله، نتج عنها وفاة مواطن وإصابة نحو 15 آخرين.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










