فِي مَطْلَعِ عَامِ ٢٠٢٦م، اسْتَيْقَظَ الْعَالَمُ عَلَى صَدْمَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ فِي التَّارِيخِ الْحَدِيثِ؛ إِذْ تَعَرَّضَتِ الدَّوْلَةُ الْإِيرَانِيَّةُ لِعَمَلِيَّةِ “قَطْعِ رَأْسٍ” خَاطِفَةٍ فِي بِدَايَةِ مُوَاجَهَةٍ أَمْرِيكِيَّةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
لَقَدْ تَمَحْوَرَتِ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةُ الْهُجُومِيَّةُ حِينَئِذٍ عَلَى اسْتِهْدَافِ قِيَادَاتِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْهَرَمِ السِّيَاسِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ الْإِيرَانِيِّ، عَبْرَ ضَرَبَاتٍ جَوِّيَّةٍ شَدِيدَةِ الدِّقَّةِ شَلَّتْ أَرْكَانَ الدَّوْلَةِ فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَةٍ.
تَرَكَّزَ الْقَصْفُ الْعَنِيفُ عَلَى حَيِّ “بَاسْتُورَ” الْإِسْتْرَاتِيجِيِّ، وَتَمَّ تَدْمِيرُ الْمَقَرَّاتِ السِّيَادِيَّةِ، بِمَا فِيهَا مَجْمَعُ “سَعْدِ آبَادَ” الرِّئَاسِيُّ (مَقَرُّ مَجْلِسِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ)، وَمَجْمَعُ بَيْتِ الْمُرْشِدِ الْأَعْلَى؛ مِمَّا أَسْفَرَ عَنْ تَصْفِيَةِ كِبَارِ رُمُوزِ الدَّوْلَةِ وَقَادَةِ مَجْلِسِ الدِّفَاعِ وَالِاسْتِخْبَارَاتِ.
وَانْتَهَى الْمَشْهَدُ بِتَخَبُّطٍ إِيرَانِيٍّ وَاصَلَ فِيهِ الْجَيْشُ كِفَاحَهُ بِشَكْلٍ مُفَكَّكٍ، حَتَّى وُقِّعَتْ تَسْوِيَةٌ سِيَاسِيَّةٌ أَنْهَتِ الْحَرْبَ.
هَذَا المَشْهَدُ المُرَوِّعُ يَأْخُذُنَا تِلْقَائِيًّا إِلَى عَقْلِيَّةِ الدُّوَلِ الكُبْرَى فِي تَأْمِينِ مَرَاكِزِ قِيَادَتِهَا؛ كَمَا هُوَ الحَالُ فِي وِزَارَةِ الدِّفَاعِ الأَمْرِيكِيَّةِ “البِنْتَاغُونِ”، الَّذِي يُمَثِّلُ العَمُودَ الفِقْرِيَّ وَالعَصَبَ المَرْكَزِيَّ لِإِدَارَةِ العَمَلِيَّاتِ العَسْكَرِيَّةِ وَالنُّفُوذِ الأَمْرِيكِيِّ حَوْلَ العَالَمِ.
فَالبِنْتَاغُونُ لَيْسَ مُجَرَّدَ صَرْحٍ هَنْدَسِيٍّ خُمَاسِيِّ الأَضْلَاعِ، بَلْ هُوَ “دَوْلَةٌ مُصَغَّرَةٌ” لِإِدَارَةِ الأَزَمَاتِ الكَوْنِيَّةِ.
وَلِأَنَّ مِصْرَ تَمْتَلِكُ أَحَدَ أَقْوَى وَأَكْبَرِ الجُيُوشِ فِي العَالَمِ، وَلِأَنَّهَا اسْتَشْعَرَتْ مُبَكِّرًا خُطُورَةَ هَذِهِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّاتِ الحَدِيثَةِ بَعْدَ أَحْدَاثِ ثَوْرَةِ ٢٥ يَنَايِرَ حَيْثُ جَرَتْ مُحَاوَلَاتٌ لِإِحْدَاثِ الفَوْضَى وَمُحَاصَرَةِ مَقَرِّ وِزَارَةِ الدِّفَاعِ العَرِيقِ فِي العَبَّاسِيَّةِ فَقَدْ كَانَ لِزَامًا عَلَى القِيَادَةِ المِصْرِيَّةِ أَنْ تَقُومَ بِـهَجْمَةٍ مُرْتَدَّةٍ بِذَاتِ الفِكْرِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ العَالَمِيِّ.
مِنْ هُنَا، وُلِدَ المَشْرُوعُ العِمْلَاقُ: “الأُوكْتَاجُونُ” (مَقَرُّ القِيَادَةِ الإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ لِلْقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ المِصْرِيَّةِ)؛ لِيَكُونَ الحِصْنَ المَنِيعَ الَّذِي يَحْمِي عَقْلَ الدَّوْلَةِ وَيَمْنَعُ تَكْرَارَ أَيِّ سِينَارْيُو لِقَطْعِ الرَّأْسِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِتَهْدِيدٍ دَاخِلِيٍّ أَمْ بِعُدْوَانٍ خَارِجِيٍّ.
إِنَّ الْأُوكْتَاجُونَ لَيْسَ مُجَرَّدَ بَدِيلٍ لِوِزَارَةِ الدِّفَاعِ الْمِصْرِيَّةِ، بَلْ هُوَ مَدِينَةٌ حَرْبِيَّةٌ وَأَمْنِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، صُمِّمَتْ لِتُدَارَ مِنْ دَاخِلِهَا جَمِيعُ أَمَاكِنِ نُفُوذِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ الْمِصْرِيِّ، دَاخِلَ الْحُدُودِ وَخَارِجَهَا. يَضُمُّ الْمَجْمَعُ كَافَّةَ الْأَفْرُعِ الرَّئِيسِيَّةِ لِلْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ، وَيَجْمَعُ الْمَسْؤُولِينَ الْعَسْكَرِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ رَفِيعِي الْمُسْتَوَى فِي بِيئَةٍ مُؤَمَّنَةٍ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، تَتَوَلَّى صِيَاغَةَ النَّصَائِحِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ وَرَفْعَهَا مُبَاشَرَةً إِلَى رَئِيسِ الْجُمْهُورِيَّةِ وَمَجْلِسِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ.
وَلَا تَقْتَصِرُ رُؤْيَةُ هَذَا الصَّرْحِ عَلَى النِّطَاقِ الْمَحَلِّيِّ؛ بَلْ هُوَ مُجَهَّزٌ لِإِدَارَةِ الْعَمَلِيَّاتِ وَتَأْمِينِ الْمَصَالِحِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، وَأَفْرِيقْيَا، وَشَرْقِ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ، وَأَمْنِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ. إِنَّهُ مَرْكَزُ ثِقَلٍ عَسْكَرِيٍّ لَا يُمْكِنُ تَهْدِيدُهُ، صُمِّمَ لِلتَّخْطِيطِ وَإِدَارَةِ الْعَمَلِيَّاتِ فِي أَشَدِّ الظُّرُوفِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ تَعْقِيدًا.
فِي زَمَنٍ تَنْتَهِي فِيهِ الْحُرُوبُ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ عَبْرَ هَجَمَاتِ الْأَمْنِ السَّيْبِرَانِيِّ وَتَدْمِيرِ شَبَكَاتِ الِاتِّصَالِ، شَيَّدَتْ مِصْرُ عَقْلًا تِكْنُولُوجِيًّا مُحَصَّنًا، يَتَمَثَّلُ فِي مَرْكَزِ الْإِدَارَةِ الذَّكِيِّ لِلدَّوْلَةِ، وَالَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنْ سِتَّةِ مَرَاكِزَ رَئِيسِيَّةٍ عِمْلَاقَةٍ.
- مَرْكَزُ الْبَيَانَاتُ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةُ الْمُوَحَّدَةُ: تَحْتَوِي عَلَى كَافَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الْخَاصَّةِ بِمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ، وَهِيَ مُؤَمَّنَةٌ بِأَعْلَى دَرَجَاتِ التَّشْفِيرِ السِّرِّيِّ الْعَالَمِيِّ.
- مَرْكَزُ التَّحَكُّمُ فِي الشَّبَكَةِ الإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ: لِلْإِشْرَافِ الرَّقْمِيِّ الكَامِلِ عَلَى الْجِهَازِ الْإِدَارِيِّ لِلدَّوْلَةِ.
- مَرْكَزُ إِدَارَةِ وَتَشْغِيلِ مَرَافِقِ الدَّوْلَةِ: لِمُتَابَعَةِ وَتَأْمِينِ الشَّبَكَاتِ الحَيَوِيَّةِ (مَاءٌ، كَهْرُبَاءٌ، طَاقَةٌ) عَلَى مُسْتَوَى الجُمْهُورِيَّةِ.
- مَرْكَزُ التَّحَكُّمِ فِي شَبَكَةِ الاِتِّصَالَاتِ: لِضَمَانِ اسْتِقْرَارِ وَتَأْمِينِ الاِتِّصَالَاتِ السِّلْكِيَّةِ وَاللاَّسِلْكِيَّةِ لِأَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ.
- مَرْكَزُ الطَّوَارِئِ وَالسَّلَامَةِ المَيْدَانِيَّةِ: لِإِدَارَةِ الأَزَمَاتِ، وَتَقْدِيمِ الإِغَاثَةِ الفَوْرِيَّةِ، وَتَوْجِيهِ الأَمْنِ المَيْدَانِيِّ.
- مَرْكَزُ التَّنَبُّؤَاتِ الجَوِّيَّةِ: لِتَهْيِئَةِ قِطَاعَاتِ الدَّوْلَةِ وَدَعْمِ مَنْظُومَةِ الدِّفَاعِ الجَوِّيِّ بِالْمَعْلُومَاتِ الاسْتِبَاقِيَّةِ.
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَضُمُّ الْمَجْمَعُ مَخَازِنَ اسْتْرَاتِيجِيَّةً طَبِيعِيَّةً عِمْلَاقَةً لِتَأْمِينِ السِّلَعِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْبِلَادِ؛ لِضَمَانِ صُمُودِ الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ أَثْنَاءَ الْأَزَمَاتِ وَالْحُرُوبِ مُمْتَدَّةِ الْأَمَدِ.
وَمِنَ الْمُقَرَّرِ رَسْمِيًّا افْتِتَاحُ هَذَا الصَّرْحِ الْعَظِيمِ يَوْمَ السَّبْتِ الرَّابِعِ مِنْ يُولْيُو لِعَامِ ٢٠٢٦م، بِحُضُورِ رَئِيسِ الْجُمْهُورِيَّةِ وَالْقِيَادَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ، إِلَى جَانِبِ وُفُودٍ عَرَبِيَّةٍ وَأَجْنَبِيَّةٍ رَفِيعَةِ الْمُسْتَوَى تَضُمُّ رُؤَسَاءَ دُوَلٍ وَوُزَرَاءَ دِفَاعٍ.
وَمِنَ المُنْتَظَرِ أَنْ يَشْهَدَ حَفْلُ الاِفْتِتَاحِ عَرْضًا جَوِّيًّا عَسْكَرِيًّا مَهِيبًا وَاصْطِفَافًا لِتَشْكِيلَاتِ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ المِصْرِيَّةِ.
وَفِي الْوَاقِعِ يَأْتِي هَذَا الِافْتِتَاحُ الْمُبْهِرُ لِمَقَرِّ الْقِيَادَةِ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ فِي ذِكْرَى ثَوْرَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ يُونْيُو كَشَاهِدِ عِيَانٍ عَلَى أَكْبَرِ عَمَلِيَّةِ إِنْقَاذٍ لِكَيَانِ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَتَأْكِيدٍ صَارِمٍ عَلَى جَاهِزِيَّتِهَا الْحَاسِمَةِ لِتَخَطِّي أَيِّ مُوَاجَهَةٍ مُحْتَمَلَةٍ.
لَقَدْ جَاءَ التَّصْمِيمُ الهَنْدَسِيُّ لِلْأُوكْتَاجُونِ مُسْتَوْحًى مِنَ الطِّرَازِ الفِرْعَوْنِيِّ العَرِيقِ؛ لِيَعْكِسَ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ هَيْبَةَ التَّارِيخِ العَسْكَرِيِّ المِصْرِيِّ وَقُوَّةَ حَاضِرِهِ.
وَبِمِسَاحَةٍ شَاسِعَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ ٢٢ أَلْفَ فِدَّانٍ، وَمِسَاحَةِ إِنْشَاءَاتٍ تَتَجَاوَزُ ٤.٦ مِلْيُونَ مِتْرٍ مُرَبَّعٍ، تَرَبَّعَ الأُوكْتَاجُونُ عَلَى عَرْشِ المَقَرَّاتِ العَسْكَرِيَّةِ؛ لِيُصْبِحَ المَقَرَّ الأَكْبَرَ فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، وَالأَضْخَمَ عَلَى الإِطْلَاقِ عَالَمِيًّا، مُتَفَوِّقًا فِي المِسَاحَةِ، وَالتَّحْصِينِ، وَالعَبْقَرِيَّةِ الهَنْدَسِيَّةِ عَلَى مَبْنَى “البِنْتَاجُونِ” الأَمْرِيكِيِّ نَفْسِهِ. - الباحث في الشؤون السياسية










