حين يكون الأمن أساس العمران وبناء الأوطان •
دراسة بلاغية في هدايات الآية الكريمة •
- لابد من التفريق بين التفسير القرآني وبين إسقاط الآية على
واقع سياسي أو اجتماعي معين • - فقوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام : ” ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ” سورةيوسف : ٩٩
هو خبر عن دخول يعقوب – عليه السلام وأهله إلى مصر بدعوة
من يوسف – عليه السلام – ولا يجوز الجزم بأن الآية تدل على
كل هجرة أو لجوء يقع في. كل زمان ؛ فهذا ليس من مدلول الآية عند جمهور المفسرين • - لكن يجوز أن نستنبط منها قيما عامة ، مثل الأمن ، وإكرام الضيف ، وأهمية أن يكون انتقال الناس وفق النظام والعدل.
مع التأكيد على أن الأصل أن يسعى كل شعب إلى إعمار وطنه
إذا زالت الحروب والموانع • - ما الإعجاز البياني في قوله تعالى على لسان يوسف – عليه السلام – : ” ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ” ؟
- الحمد لله الذي جعل القرآن هداية للعالمين ، وأودع في آياته
من أسرار البيان ما تتجدد دلالته على مر العصور ، والصلاة والسلام على آله وصحبه أجمعين ، أفصح من نطق بالضاد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين •
أما بعد
قال الله تعالى : ” فلما دخلوا على يوسف أوى إليه أبويه وقال
ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ” سورة يوسف : ٩٩ .
- جاءت هذه الآية في ختام رحلة طويلة من الابتلاء ، لتعلن انتقال أسرة يعقوب عليه السلام إلى مصر في ظل الأمن والاستقرار
بعد سنوات من الخوف والفراق والمجاعة • - ومن أوجه الإعجاز البياني في الآية :
أولا تقديم الأمن على كل نعمة : فلم يقل يوسف عليه السلام ادخلوا مصر أغنياء أو مكرمين ، وإنما قال : ” آمنين ” لأن الأمن أساس العمران ، وبدونه لا تستقر حياة ولا تزدهر حضارة .
- ثانيا : اقتران الوعد بمشيئة الله في قوله تعالى : ” إن شاءالله “
وهو تعليم للأمة أن تعلق آمالها بالله ، وأن تعلم أن الأمن والاستقرار منحة إلهية قبل أن يكون نتيجة للأسباب •
ثالثا : جاءت كلمة : ” ادخلوا ” بصيغة الترحيب لا بصيغة الإلزام ، لأن الداخلين كانوا مدعوين من صاحب السلطان ، فكان دخولهم بدعوة من سيدنا يوسف قائما على النظام فهم
حلوا ضيوفا على مصر بعد أن تركوا وطنهم في الشام •
- ومن هنا نستفيد قاعدة قرآنية مهمة ، وهي أن انتقال الإنسان من بلد إلى آخر قد يكون مشروعا عند الحاجة ، كما وقع ليعقوب وأهله ، لكنه كان انتقالا لهدف معلوم ، وفي ظل نظام يحفظ الحقوق •
- أما إسقاط هذه الآية على كل واقع معاصر ، أو اعتبارها
دليلا على بقاء اللجوء والهجرة إلى أرض مصر أو إلى غيرها في كل زمان ، فليس من دلالة الآية ، لأن القرآن حكى واقعة تاريخية مخصوصة ، ولا يجوز تحميل النص ما لم يدل عليه • - ومن. الدروس الحضارية التي تلهمها الآية أن الأصل في الأمم أن تبني أوطانها ، وأن تبذل جهدها في إصلاحها متى توافرت القدرة والأمن ؛ فالأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها ، ولا تزدهر
إلا بعقول علمائها ، ولا تحفظ هويتها إلا بإخلاص أهلها •
ولذلك فإن الدعوة إلى إعمار البلاد ، وإحياء مؤساساتها ، ونشر
العلم والعمل فيها مقصد نبيل تؤيده نصوص الشريعة الإسلامية
التي تحث على عمارة الأرض ، والتعاون على الخير ، وتحمل
المسئولية ••
٤- من. اللطائف البلاغية في الآية الكريمة :
” لم يقل يوسف : ” ادخلوا مصر آمنين ” مع أنها كان عزيز مصر وصاحب السلطان ، وإنما قال : ” إن شاء الله آمنين “
ليقرر القرآن أن السلطان قد يفتح الأبواب ، ولكن الذي يهب
الأمن هو الله تعالى • وهكذا يعلم القرآن البشرية أن الأمن عطية إلهية قبل أن يكون قرارا سباسيا •
وهذه تعد من أبدع وجوه الإعجاز البياني في الآية ؛ إذ. جمعت بين سلطان الأرض ممثلا في يوسف عليه السلام ، وسلطان السماء الذي علق عليه الأمن بقوله : ” إن شاء الله “
فكان التعليم العقدي البلاغي في كلمات معدودات ، وهو من دقائق البيان القرآني •
- ” ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ” وفي هذا درس خالد لكل زمان
أن قوة الدولة قد توفر الأسباب ، أما الأمن الحقيقي لا يمنحه
إلا الله تعالى ، فهو سبحانه واهب الأمن ، ومالك القلوب ومدبر الأمور • قال تعالى : ” الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف “سورة قريش : ٤ فتبينوا أن القرآن جعل الأمن قرين الرزق بل قدمه في مواضع كثيرة • لأنه أساس العمران ، وبدونه لا تقوم حضارة
ولا يزدهر وطن •الخاتمة : - إن آية : ” ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ” ليست مجرد خبر عن حدث مضى ، بل هي رسالة بأن الأمن نعمة عظيمة •
- وأن استقرار الأوطان أساس نهضتها ، وأن الإنسان إذا استطاع
أن يسهم في بناء وطنه وإصلاحه كان ذلك أولى من هجرة
بغير ضرورة وما تسببه من أزمات اقتصادية لأبناء البلد الأصليين
فهم في معاناة دائمة بسبب ما سببه ذلك من ارتفع أسعار السكن
وارتفاع جميع الأسعار للسلع الحيوي. فكل واحد بلده أولى به
ودعوات طيبة لكم جميعا بحياة سعيدة موفقة في أوطانكم .
- فلتكن غاية الشعوب أن تعود إلى أوطانها متى أمكن ، لتزرع فيها الأمل ، وتبني فيها. الحضارة ، وتحقيق قول الله تعالى :
” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها “
أي طلب سبحانه وتعالى منكم عمارتها وإصلاحها ، فصلاح الأوطان صلاح الأمة ، وعمارتها من أعظم صور شكر نعمة الله •










